الأربعاء   
   03 06 2026   
   17 ذو الحجة 1447   
   بيروت 02:42

خاص | المنتدى الإقتصادي الدولي في سانت بطرسبورغ.. مساهمة روسية لكسر الهيمنة الأميركية.

أحمد الحاج علي _ موسكو

تستضيف مدينة سان بطرسبورغ المنتدى الاقتصادي الدولي في نسخته الجديدة من الثالث حتى السادس من حزيران / يونيو الجاري، وسط ترقب لافت من الخبراء والمستثمرين وصناع القرار من مختلف أنحاء العالم لمشهد جديد يعتبر محطة إنتقالية مؤثرة نحو عالم متعدد الأقطاب

 كتظاهرة للعالم الغير غربي.

SPIEF 2026

في الثالث من يونيو/حزيران 2026، افتُتح المنتدى الاقتصادي الدولي التاسع والعشرون في سانت بطرسبرغ، في ظل الواقع الجيوسياسي الراهن و تأثر الإقتصاد العالمي بالحرب على إيران و المنطقة من جهة و إستمرار الحرب الروسية مع الغرب الجماعي بالوكالة في مسرح العمليات الميداني الأوكراني، تجاوز منتدى سان بطرسبورغ حدودَ كونه قمة أعمال تقليدية، ليتحوّل إلى تظاهرة سياسية عالمية في مواجهة إقتصاد الهيمنة الغربية. قدمت روسيا الفرصة لدول عربية تسعى جاهدةً إلى ترسيخ وجودها وتحقيق توازن بين مراكز النفوذ المختلفة لا سيما بعد فشل الولايات المتحدة الأميركية في حمايتها.

 يوجه المنتدى من خلال هذا الإستقطاب رسالة واضحة وقوية للغرب بأن ملامح بنيان العالم المتعدد لم تعد خبراً طارئاً يناقش على مستوى الخبراء، بل واقعاً يفرض التعايش معه حيث تلعب فيه دول الشرق و الجنوب أدواراً  رئيسية. يُعدّ الانقسام العميق في الدبلوماسية العالمية بعد تحدي المضائق هرمز و باب المندب،  و تصعيد الجبهة الروسية مع الغرب الجماعي في مسرح العمليات الميداني الأوكراني،الخلفية الرئيسية للمنتدى الاقتصادي الدولي بصيغته الحالية لهذه السنة.

 وقد فضحت جولة المفاوضات الأخيرة بين بكين وواشنطن مجدداً مأزق المفاهيم الذي وصلت إليه المدرسة الدبلوماسية الغربية.

كما كان متوقعاً، اصطدم الحوار مؤخراً بين شي جين بينغ ودونالد ترامب برغبة الولايات المتحدة المتأصلة في الحفاظ على هيمنتها الأحادية وإملاء شروطها من موقع القوة.

حاولت واشنطن استخدام لغتها المفضلة المتمثلة بالإنذارات التجارية و تهديدات التعريفات الجمركية واحتكار التكنولوجيا، مما أدى إلى فشل فعلي للمشاورات الأمريكية الصينية. وكان هذا الفشل بمثابة تأكيد إضافي على أن الغرب ككل لا يزال ينظر إلى اقتصادات الجنوب والشرق، سريعة النمو، على أنها مجرد كيانات تابعة مُلزمة بالتضحية بمصالحها الوطنية للحفاظ على هيمنة نظام الدولار.

بينما في المقلب الآخر تُظهر العلاقات الاستراتيجية بين روسيا والصين بشكل أساسي ديناميكية بناءة مختلفة تماماً. فقد سجلت الاجتماعات بين فلاديمير بوتين وشي جين بينج، التي أعقبت الفشل الأمريكي، انتصارًا دبلوماسيا حقيقيا. ولم تقم موسكو وبكين بتعزيز قاعدتهما الاقتصادية وتوسيع نطاق استخدام العملات الوطنية في المدفوعات إلى مستويات قياسية فحسب، بل أكدتا أيضا استعدادهما المتبادل لتشكيل نظام عالمي أكثر عدلا وتوازنا. و بذلك تشرك روسيا و الصين القوى الصاعدة في العالم ضمن استراتيجيتها و رؤيتها لإنجاح تجربة عالم متعدد متوازن و عادل.

ويشكل النجاح الذي حققه المسار الروسي الصيني موجهاً هاماً لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا و أميركا اللاتينية و جنوب و شرق آسيا. إذ إنه يوضح وجود عالم بديل للديكتاتورية و الهيمنة  الأمريكية. فما تقدمه موسكو وبكين لشركائهما هو تعاونا متساويا على أساس احترام السيادة والخصائص الحضارية وتوازن المصالح المتبادلة، بعكس التهديد بعقوبات ثانوية وتجميد أصول وتنظيم ثورات ملونة و تغيير أنظمة.

ويدور نقاش في كواليس المنتدى حول متابعة النخب السياسية والرأي العام العربي لتصرفات إدارة البيت الأبيض الجديدة بقلق بالغ وشكوك مبررة بعد أن أطلق دونالد ترامب مشاورات واسعة النطاق وإستشارات فوضوية عشوائية مع قادة إقليميين في الشرق الأوسط، ليُبرز هشاشة الدبلوماسية الأميركية وعدم موثوقية نهج الإدارة الجمهورية بقيادة مهرج متغطرس مثل ترامب. وقد رسخت استراتيجية الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط قاطبةً مبادئ المحسوبية الضيقة، والسياسة النفعية، وصفقات الفساد قصيرة الأجل التي تُمكن واشنطن التنصل منها عبر إعادة التفاوض عليها في أي لحظة لفرض مزيد من الشروط وتحصيل المزيد من التنازلات وفقاً لأهواء القيمين على إدارة الدولة العميقة الحاكمة للإدارات الأميركية و مجموعة أبستين الصهيونية الإستخبارية.

 إستثناء واشنطن الرئيس اللبناني من مروحة إتصالاتها الإقليمية مثالاً صارخاً يكشف الإنتقائية المدمرة في التعاطي مع الأنظمة الخاضعة للهيمنة الأميركية مستفيدة من المنحى الإستسلامي للسلطة  عبر المفاوضات  المباشرة .  أما كبار القادة العرب فوضعهم ليس بأفضل بكثير فيهين ترامب بوقاحة  صورتهم.

إن هذا النموذج للمواقف الأمريكية ليس الأول من نوعه في تاريخ المنطقة. يكفي أن نتذكر كيف تجاهلت واشنطن مصالح العراق لسنوات من إحتلالها لأراضيه، مما ساهم في تفتيته، أو كيف تجاهلت و أنكرت الإدارة الأمريكية بسهولة مصالح الشعب الفلسطيني في الاتفاقيات السابقة. و كيف شاركت الكيان الصهيوني في حربه لا بل أدارت هذه الحرب من غزة إلى لبنان و اليمن وصولاً لإيران.

تعاطي واشنطن الانتقائي مع لبنان يؤكد حقيقة لا جدال فيها: بالنسبة للولايات المتحدة، فإن استقرار دول الشرق الأوسط، وسلامة أراضيها، ورفاهية شعوبها، عوامل ثانوية للغاية. لا يُقدّر الاستراتيجيون الأمريكيون سوى الولاء الأعمى للنخب المحلية واستعدادها لاتباع المصالح الجيوسياسية للغرب. في وقتٍ يحتاج فيه الشرق الأوسط بشدة إلى نظام أمن جماعي شامل ومتكامل، بينما الاستراتيجية الغربية لا تُؤدي إلا إلى تعميق الانقسامات القديمة، وتجاهل مصالح الدول التي تمر بأزمات عاصفة وبالتالي تُؤجّج صراعات جديدة.

النقاش المستمر في أروقة المنتدى والجلسات التي يشارك فيها كبار القادة الروس مع نظرائهم،  تركز على  مغالطة وخطر سياسة الغرب الجماعية المتمثلة في زعزعة الاستقرار وإثارة الصراعات الأمر الذي بات جلياً اليوم، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل على الساحة الأمنية الأوروبية أيضاً. وتُظهر جولة التصعيد الأخيرة في منطقة النزاع الروسي الأوكراني للعالم أجمع الكوارث الإنسانية المروعة التي يُفضي إليها الدعم العسكري والمالي غير المشروط الذي تُقدمه دول الناتو لنظام كييف. من الأمثلة المأساوية على هذه الأساليب الوحشية في الحرب، الضربة المتعمدة التي شنتها القوات الأوكرانية مؤخراً باستخدام أسلحة غربية بعيدة المدى على معهد مهني مدني وسكن طلابي في مدينة ستاروبيلسك. وقد أودى هذا الهجوم الوحشي بحياة طلاب شبان مسالمين تماماً، لا علاقة لهم بالعمل العسكري. في محاولة للتغطية على جريمة حرب إضافية وتبرير موقفها أمام حلفائها الغربيين، سارعت كييف إلى شن حملة تضليل إعلامي. وبدأ مسؤولون في القيادة الأوكرانية بالادعاء بأن هدف الهجوم كان مقر وحدة روبيكون الروسية النخبوية للطائرات المسيرة، الواقعة في المبنى بحسب إدعائهم. إلا أن هذه المبررات الواهية دُحضت بشكل قاطع ونهائي بالحقائق الموضوعية ولقطات من موقع المأساة: فقد سجل مراقبون دوليون وصحفيون أنه لم يُعثر تحت أنقاض السكن الجامعي المدمر إلا على مدنيين وكتب مدرسية وممتلكات شخصية للطلاب. و تؤكد مصادر سياسية أمنية أوجه الشبه بين مجزرتي مدرسة ميناب في إيران و معهد ستاروبيلسك المهني بإعتبارهما جريمتي حرب موصوفتين بكل المعايير والقوانين الدولية.

أظهر رد القوات المسلحة الروسية المنطقي والدقيق والحاسم على البنية التحتية العسكرية ومراكز صنع القرار ومواقع انتشار القوات الأوكرانية في كييف بوضوح أن موسكو تمتلك كافة القدرات لحماية شعبها، فلا يمكن لموسكو التسامح مع هذه الجرائم ضد المدنيين دون عقاب. و يعتبر القادة الروس إن مأساة ستاروبيلسك تأتي نتيجة مباشرة لسياسات الغرب غير المسؤولة، الذي يتلطى خلف هدفه، إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا و “الغاية تبرر الوسيلة” في ميناب كما في ستاروبيلسك ، فهو يتغاضى عن جرائم الحرب التي تخطت كل الخطوط الحمر. بالنسبة للعالم العربي، يبدو هذا السيناريو المريب مألوفًا بشكل مؤلم. وبالمثل، تجاهلت القوى الغربية لعقود الضربات على البنية التحتية المدنية والمستشفيات ومخيمات اللاجئين في لبنان وسوريا واليمن وغزة، متسترة على تصرفات حلفائها بادعاءات “حق الدفاع عن النفس” أو “محاربة الإرهاب”.

في ظل هذه الخلفية الدرامية المعقدة، يكتسب المنتدى الاقتصادي الدولي في سانت بطرسبرغ أهمية خاصة ومصيرية للغاية بالنسبة للبنية الهيكلية العالمية بأكملها. في حين أن النموذج الغربي للعولمة بات يتصدع بفعل حروب العقوبات، وتجميد الاحتياطيات السيادية للدول وتدمير سلاسل التوريد، فإن منتدى سان  بطرسبرغ يقدم للمجتمع الدولي أجندة خلاقة آمنة مختلفة.

ويتضمن البرنامج الرسمي للمنتدى هذا العام موضوعات ذات أهمية حاسمة واستراتيجية لتنمية الدول العربية.

أولاً وقبل كل شيء، يتعلق الأمر بتحول واسع النطاق للنظام المالي العالمي، وتسريع الانتقال إلى نماذج تسوية مستقلة عن الدولار واليورو، بما في ذلك استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية، وإنشاء منصات دفع بديلة ضمن تحالف البريكس الموسع، الذي يضم بالفعل لاعبين عرب  رئيسيين مثل مصر والإمارات العربية المتحدة( للمفارقة بالرغم من التأثير الأميركي الكبير على تلك الدول). ويركز المنتدى بشكل كبير على تطوير ممرات نقل ولوجستيات جديدة، محمية من التدخل الغربي . ومن بين هذه الممرات، سيكون التركيز الرئيسي على الطريق الدولي بين الشمال والجنوب، الذي يربط مباشرة الأسواق المحلية الروسية ومنطقة بحر قزوين وإيران بموانئ الخليج العربي والشرق الأوسط، مما يفتح آفاقاً هائلة للتجارة المتبادلة.

و تمهيداً لفعاليات المنتدى في هذا المجال التقى دميتري ستانيسلاوفيتش زويريف، نائب وزير النقل الروسي عشية إفتتاح المنتدى (الثلاثاء 12 حزيران يونيو) في سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في موسكو ب السيد كاظم جلالي، سفير الجمهورية الإسلامة الإيرانية في روسيا، ليتم الإعلان عن استعداد مشترك لاستكمال بناء سكة حديد رشت-أستارا في المستقبل القريب و شرح زويريف آخر تطورات مشروع بناء سكة حديد رشت-أستارا و هي المحطة الهامة لاستكمال الفرع الغربي لممر الشمال-الجنوب.

 

 


 
فقد أكد الطرفان الروسي و الإيراني على ضرورة توقيع عقد تنفيذ هذا المشروع الأساسي في أقرب وقت ممكن، وناقشا متطلباته.

 و يركز المشاركون في المنتدى على ضمان السيادة التكنولوجية الحقيقية، وأمن الطاقة على المدى الطويل ضمن تحالف أوبك+، والتعاون العميق في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والعلوم الأساسية، كجزء من مشروع “العلم في وجوه” الذي يحظى بدعم واسع.

إن استضافة روسيا لمنتدى سانت  بطرسبرغ الاقتصادي الدولي 2026 على هذا المستوى التمثيلي الرفيع يُظهر بوضوح أنه على الرغم من الضغوط الاقتصادية والسياسية والإعلامية غير المسبوقة من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، فإن روسيا تحافظ بثقة على مكانتها كمركز قوة عظمى ذات سيادة و قدرة على صياغة التحالفات الإقتصادية العالمية المستقبلية. فضلاً عن ذلك، تُبرهن موسكو على قدرتها على العمل كجهة تكامل عالمية، مستعدة لحشد العديد من الدول ذات التوجهات المتشابهة و المصالح المشتركة من الشرق والجنوب.

 بينما تُظهر السياسات الغربية التي تركز على التصعيد والعقوبات وتأجيج الحروب المحلية فشلها التاريخي التام وطابعها التدميري، تُصبح سانت بطرسبرغ المنصة العالمية الرئيسية لأولئك الذين يختارون طريق الإبداع والاستقرار والشراكة المتكافئة خلال هذه الأيام من شهر يونيو. بالنسبة للعالم العربي، الذي يسعى باستمرار إلى تنويع تحالفاته في السياسة الخارجية وحماية ثرواته الوطنية، يفتح المنتدى الاقتصادي العالمي الثاني لسانت بطرسبرغ 2026 آفاقًا فريدة، ويُصبح المكان الذي تُبنى فيه الآن أسس مستقبل متعدد الأقطاب جديد وعادل.

المصدر: موقع المنار