الأربعاء   
   03 06 2026   
   17 ذو الحجة 1447   
   بيروت 00:26

مفارقة الردع.. القوة التي تأكل نفسها

نقلاً عن القناة 12 الإسرائيلية بتاريخ 31-5-2026، قال رئيس وزراء الاحتلال لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن إسرائيل لن تقف صامتة أمام تهديدات حزب الله، وإن بيروت يجب ألّا تبقى حصناً للحزب.

هذا التصريح الصادر عن أعلى مستوى سياسي في دولة العدو يحمل قدراً كبيراً من الغطرسة والعلو، لم يصل إليه سوى عدد قليل من طغاة الأرض عبر التاريخ. فعملياً، كلما ارتفع صوت التهديد والوعيد، ازدادت الحاجة إلى إثباته عبر تنفيذه، ما يستنزف القوة ويضعها في فخ إثبات الذات المستمر.

لكن ما لم يقله نتنياهو مباشرة في هذا التصريح يمكن استنتاجه ببساطة، وهو أن إسرائيل لا تستطيع القبول بوجود أي طرف في الإقليم قادر على تهديد صورة القوة المطلقة أو وضعها موضع شك، لأن فكرة قيام هذا الكيان قائمة على هذه الفرضية. لذلك فإن الحزب، ومن خلال إطلاق الصواريخ المستمر، يقول عملياً لإسرائيل إن نظرية الردع والتفوق ليست حقيقة مطلقة، بل فرضية تواجه اختباراً دائماً على أرض الواقع، وهو ما يضع الكيان أمام حالة من التهديد المستمر.

لقد افترضت إسرائيل، من خلال تطبيق نظرية الردع على دول الجوار، أن تكون هذه النظرية أداة ناجحة لمنع الحروب عنها. والردع في الأساس مفهوم استراتيجي في العلاقات الدولية والعسكرية يقوم على منع الخصم من القيام بعمل عدائي عبر التهديد بعقاب شديد يفوق أي مكاسب محتملة. أي إن الهدف ليس خوض الحرب، بل إقناع الطرف الآخر بأن الحرب ستكون خاسرة قبل أن تبدأ.

لكن بعد السابع من أكتوبر، اعتبرت دولة الكيان أنها تواجه تهديداً وجودياً، فشنت حرباً مدمرة على قطاع غزة، وقتلت وجرحت مئات الآلاف من الفلسطينيين، كما دمرت ما يقارب 65% من القطاع. ومع كل ذلك، لم تتمكن من إنهاء وجود حركة حماس في القطاع، ولا من اقتلاع فكرة المقاومة.

وبعد ذلك، شهد عام 2024 الحرب الأولى على لبنان، ثم تبعتها في عامنا الحالي جولة جديدة من هذه الحرب، ظناً من العدو أنه يستطيع إنهاء فكرة وجود مقاومة في لبنان تهدد تفوقه النوعي في المنطقة. وبعد مرور أكثر من تسعين يوماً على بدء هذه الحرب، وقع العدو في فخ الغطرسة والعمى الاستراتيجي. فحين تتحدث القيادة بلغة التهديد المطلق، فإنها لا تعكس قوة حقيقية بقدر ما تكشف عن خوف داخلي من اهتزاز صورة التفوق. ويشير الإصرار المتكرر على لغة التهديد إلى احتمال وجود فجوة بين الصورة التي تسعى القيادة إلى ترسيخها وبين الوقائع الميدانية.

ويتمثل العمى الاستراتيجي في تجاهل الحقائق على الأرض، مثل استمرار المقاومة في إطلاق الصواريخ، ما يثبت أن الردع ليس مطلقاً. وهذا العمى يجعل القيادة أسيرة فرضياتها القديمة، وغير قادرة على قراءة الواقع الجديد.

وبنتيجة ذلك، أصبح العدو في وقتنا الحالي يعاني من تآكل أخلاقي واضح وفقدان متزايد للشرعية الدولية نتيجة القتل والدمار، والادعاء بأن ذلك يندرج في إطار الدفاع عن النفس والوجود. كما يرى كثيرون أن هذا الكيان بات يعتمد على الحروب بوصفها وسيلة دائمة لإعادة إنتاج مبررات بقائه واستمراره.

ولأن المجتمع الدولي يمنح الشرعية للدول حين تلتزم بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، فإن استخدام القوة بشكل مفرط لإثبات الذات قد يحول الدولة إلى طرف يواجه عزلة متزايدة، ويفقدها القدرة على إقناع العالم بعدالة قضيتها. فالردع الذي يُفترض أن يحميها قد يصبح سبباً في تراجع صورتها الدولية، ويضعها تحت ضغوط سياسية ودبلوماسية متزايدة. وكلما حاولت القوة الرادعة إثبات تفوقها عبر التهديدات والحروب، ازدادت خسائرها على المستوى الأخلاقي والدولي. فبدلاً من أن تُخيف خصومها، قد تفقد احترام جزء متزايد من الرأي العام العالمي.

أضف إلى كل ما تقدم التهديد الداخلي الكامن في الكيان؛ فحين يتحول الخوف من الخارج إلى جزء من الهوية المؤسسة له، يبدأ المجتمع بالتآكل لأنه يعيش في حالة تعبئة مستمرة للحرب تحت شعار الخطر الخارجي. والمفارقة الكبرى أن الردع الذي يُفترض أن يحمي الكيان من الأعداء في الخارج، يصبح هو نفسه سبباً في تهديد الداخل، لأنه يفرض على الدولة أن تعيش في حالة خوف دائم، فتأكل نفسها من الداخل قبل أن تواجه خصومها.

إن ما يعيشه الكيان اليوم ليس مجرد مواجهة مع مقاومة عنيدة، بل هو سقوط في فخ الغطرسة والعمى الاستراتيجي الذي يحول الردع من أداة عقلانية إلى قوة تستنزف نفسها. فكلما ارتفع صوت التهديد، ازدادت الحاجة إلى إثباته، وكلما توسعت دائرة الحرب، اتسع معها التآكل الأخلاقي وتراجعت الشرعية الدولية، حتى بات الخطر الأكبر يطل من الداخل نفسه. وهكذا تتحقق المفارقة الكبرى: قوة الردع التي وُجدت لتحمي، أصبحت هي نفسها النار التي تلتهم صاحبها.

المصدر: موقع المنار