ملف ساخن | تخيّل لو أنّ هذه ايران! – موقع قناة المنار – لبنان
المجموعة اللبنانية للإعلام
قناة المنار

ملف ساخن | تخيّل لو أنّ هذه ايران!

iran-a3mal-shagab
سمية علي

’’لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية، بل سنعمل لكي تكون المعركة لديهم في إيران وليس في السعودية’’

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مقابلة مع داوود الشريان في 3 أيار/مايو 2017

في السادس عشر من أيلول/سبتمبر توفيت شابة تُدعى مهسا أميني. كان لهذا الخبر أن يكون عابراً كمجزرة في اليمن أو توقف قلب طفل فلسطيني خوفاً من ملاحقة جندي اسرائيلي له، أو أن يخبو سريعاً كخبر ضرب فتيات في دار أيتام في محافظة خميس مشيط السعودية بصواعق كهربائية على سبيل المثال، لكنه حدث في ايران.

ما حدث مع مهسا كان منتظراً. ملابسات الحادثة (فتاةٌ لا تحب الحجاب، توفيت بطريقة مفاجئة في مركز الارشاد، (تقرير هيئة الطب العدلي أثبت لاحقاً أن الوفاة حدثت نتيجة عدم وصول الأوكسيجين إلى خلايا المخ)، الأمر الذي استغل بسهولة لدعم فرضية “العنف كوسيلة لقمع الحريات في ايران”، خصوصاً أن الزي المحتشم يشكل انعكاساً طبيعياً لماهية نظام وافقت عليه الأغلبية في استفتاء أعقب انتصار الثورة في آذار/مارس1979، في وقت يعتبر منع الحجاب في فرنسا بحجة علمانية النظام أمراً طبيعياً)، إضافة إلى عامل التوقيت، كلاهما يصبان في نتيجة واحدة: إنها الشرارة لما أعلن عنه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في حديثه مع الإعلامي داوود الشريان، والذي عكس ما حُضّر ويُحضّر سراً من قبل الثلاثي السعودي الإماراتي والبحريني كخطة ترتكز على البعد الإعلامي (وسائل التواصل الاجتماعي بشكل أساسي) وما يُسمى الحركات الايرانية المعارضة، وبدعم صهيوأميريكي يستند إلى تقاطع مع الخليج في إضعاف ايران وانهاكها داخلياً، بعد فشل تجميد الاتفاق النووي وسياسات الحظر في تحقيق ذلك.

«تخيَّل لو أن هذه إيران»*
*حملة يقودها فنانون ناشئون ومصورون ايرانيون معادون للنظام تتحدث عن مواضيع لها علاقة بالتعبير عن الذات، والهوية، وكيف يريدون أن تكون إيران

ما الذي حدث بعد موت مهسا؟ نجحت الدعاية الإعلامية الضخمة والتي تمّت إدارتها من قبل وسائل إعلام ايرانية معادية للنظام ممولة بشكل أساسي من جهات أميركية وبريطانية وسعودية كـ “ايران انترناشيونال” و “بي بي سي فارسي”، إضافة إلى جيش الكتروني على مواقع التواصل الاجتماعي (تزامنت الحادثة مع سيل هائل من التغريدات والمنشورات على التويتر والانستغرام، بلغ في الأيام الأربعة الأولى وقبل أن تنتشر الاحتجاجات 20% من معظم المحتوى الذي نشر ضد الحكومة الإيرانية، والذي بلغ خلال شهر، 50 مليون تغريدة ومنشور)، نجحت باستغلال ما يُسمى بـ “تأثير عقيدة الصدمة” الذي أحدثه موت مهسا، والذي انعكس حالة من الهيجان والاعتراض الشعبي تحديداً في عدد من المدن والبلدات الكردية الايرانية، حيث تمّت مهاجمة مراكز الشرطة والمؤسسات العامة ورُفعت شعارات معادية للنظام الجمهورية الاسلامية، إضافة إلى تكذيب الفيديو الذي نشرته وزارة الداخلية الايرانية والذي يؤكد أن مهسا توفيت نتيجة مضاعفات صحية.

جعل منسقو الحملة من مهسا “أيقونة” للقول إن الأخيرة توفيت من أجل “ايران التي تريد، أي ايران حيث الحرية المطلقة الرفاه والمستوى المعيشي المرتفع، ايران المتصالحة مع محيطها العربي والغرب من خلال التخلي عن قضاياها المحقة خصوصاً الصراع مع اسرائيل، وهو الصراع الذي يكلفها عقوبات قاسية ومبالغ مالية ضخمة نتيجة دعمها لحركات المقاومة، فلماذا لا تذهب هذه الأموال لتحقيق رفاهية الايرانيين؟”، واحدى الوسائل للتأثير في الشباب في هذا السياق “إبراز سهولة حياة المؤثرين الإيرانيين الذين يعيشون خارج البلاد”.

كذلك، فقد قامت الحملة الإعلامية بالارتكاز إلى أساليب عدة:

2- نقل وسائل إعلام إسرائيلية عن “مصادر مطلعة” مشاهد لعناصر يتحدثون باللغة العربية أثناء مواجهة المحتجين، لافتةً إلى أن عناصر من “حزب الله” اللبناني و”الحشد الشعبي” العراقي، يساعدون قوات الباسيج في “قمع الاحتجاجات”.

3- تغير بروتوكولات النشر في قناة “إيران إنترناشيونال” التي تولت منذ 13 أيلول/سبتمبر نشر السردية التي تغطي الاحتجاجات في إيران، حيث لم تكن القناة تنشر سوى المحتوى الصادر عن إيرانيين ووكالات أنباء عالمية، كفرانس برس ورويترز، ولكنها الآن باتت تنشر معظم ما يناسب القيمين عليها من محتوى ينشر حول “الحراك” الايراني بكل لغات العالم ويتم ترجمته حرفياً إلى الفارسية أو الانكليزية والعربية.

4- تحريك خلايا نائمة عمادها بعض الايرانيين الناشطين في مجال الفن والرياضة، الذين كانت تعتمد عليهم الجمهورية الإسلامية بدعايتها الناعمة، ومجاهرة بعضهم أو بعضهن أنها تعبت وثابرت لتهدي جائزتها لبلدها، ولكن ليس للنظام الحاكم التي قتل “مهسا أميني”.

5- إدخال معظم شهيرات ومشاهير العالم، وبالأخص المؤثرين في منطقة غرب آسيا، في لعبة “الحرية مقابل القمع السلطوي بفرض الحجاب”.

6- معظم المواقع الاخبارية في العالم ووسائل التواصل التي تنقل المحتوى الذي يغطي “الحراك الإيراني”، تروج لفكرة أن هذه أوسع وأكبر التظاهرات في تاريخ إيران بعد الثورة وأشملها، لأنها استقطبت أبناء أكبر العرقيات الايرانية الرئيسية. وفي هذا الكلام مبالغة كبيرة، إذ لم تبلغ الاحتجاجات في شهري أيلول وتشرين أول 10% من احتجاجات عام 2009، التي قدّرت السلطات الايرانية المعنية عدد المشاركين فيها بما يفوق المليون.

7- تراجع ملحوظ في الحملة على الحجاب في معظم غرب آسيا، وتركيز الدعاية الغربية على قرار الحكومة الايرانية فرض الحجاب قسرياً.

8- تحكم الخارج بالسردية الخاصة باحتجاجات المرأة في إيران، حيث أن معظم المحتوى المنشور عن أحداث أيران بعد 13-09-2022 مصدره خارج إيران.

أكراد العراق
في أواخر آب/أغسطس 2022، أي قبل شهر من اندلاع الاحتجاجات في إيران، أعلن حزبان كرديان إيرانيان انفصاليان يتخذان من إقليم كردستان العراق مقرًا لهما، اندماجهما من جديد بعد انفصالهما لمدة 16 عامًا، هما “الحزب الديمقراطي الكردستاني” و”الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني”. نشر الحزبان بيانًا أعلنا فيه عن توحدهما تحت مسمى “الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني”، وأعلنا أن “هذا الإعلان يعبّر عن رحلة جديدة في النضال ضد نظام جمهورية إيران”.

في موازاة ذلك، تولت أحزاب “كوملة” و”الديمقراطي الكردي” و”باك” الانفصالية في كردستان العراق، عملية تقديم الدعم العسكري لأكراد إيران، وذلك بحسب ما كشفته الاستخبارات الإيرانية.

هذه المعلومات تقاطعت مع تلميح رئيس الموساد المنتهية ولايته يوسي كوهين “تشغيل مبعوثين غير إسرائيليين في قلب إيران لتنفيذ بعض العمليات التفجيرية”، وهنا قصد “الأكراد في إيران”. إذ أنه سبق أن قال المدون المتابع للشأن الإسرائيلي، ريتشارد سيلفرشتاين في مقال له في “ميدل إيست أي” إن “علاقة إسرائيل الدائمة بأكراد العراق منحتها ميزة استراتيجية في صراعها مع إيران ونقطة انطلاق لمهاجمتها”.

أدركت ايران ذلك جيداً، متخذةً القرار بمنع هذه الأحزاب والميليشيات من زعزعة استقرارها، ذلك بضرب مواقع هذه الجماعات. وهنا نلفت إلى ما أكده مسؤول أميركي كبير في تغريدة على موقع صحيفة “نيويورك تايمز”، بأن المبنى الذي تم استهدافه من قبل الحرس الثوري في آذار/مارس الماضي هو “مركز تدريب تابع للموساد الاسرائيلي”.

وبالرغم من محاولة بعض النواب الأكراد كالقيادي في “الحزب الديموقراطي”، محمد عامر ديرشوي استغلال ذلك للعب على وتر القومية والطائفية لإثارة الفتنة العراقية – الإيرانية، إلا أن طهران بقيت على تواصل وتنسيق مع السلطات العراقية لايجاد الحلول المتمثلة بنشر حرس الحدود والحؤول دون دخول المسلحين والمخربين إلى أراضيها.

أيُّ ايران؟
“هؤلاء المتواجدون في الساحة ومن يقف خلف الكواليس ايضاً هم أحقر من أن يستطيعوا الاضرار بالنظام الإسلامي”.
الامام السيد علي الخامنئي في خطاب خلال استقباله حشداً من اهالي اصفهان (19 تشرين الثاني/نوفمبر 2022)

السؤال الأساس هنا: إلى أي مدى عكس سلوك معارضي النظام “رؤية تقدمية” فعلاً؟

بالرغم من الخطة المحضّرة منذ سنوات والحرب المركبة المدروسة التي تركز على كل الجوانب الاجتماعية والثقافية، إلا أن هذه التكتيكات التي استطاعت في المرحلة الأولى إلى حدّ ما حصد مستوى من التجييش والتعاطف خصوصاً على مستوى الأقليات، انهارت أمام الوجه الآخر الذي ظهر سريعاً للمعادين للنظام: العنف والقتل والهجمات الارهابية.

ربما يفسر الانتقال إلى هذه المرحلة عدم تحقيق التعاطف الشعبي المطلوب أثناء التظاهرات مقارنةً بحجم التظاهرات الأخرى كتلك التي نزلت في “يوم مقارعة الاستكبار العالمي”، مما يظهر بطلان مقولة أن “هناك حراكاً فعلياً في ايران”، إضافة إلى امتصاص الشرطة الايرانية هذه الاحتجاجات والحرص على عدم تحولها إلى مواجهات مسلحة.

هنا انتقلت المعارضة إلى المواجهة مع عناصر الشرطة بالسلاح (أظهرت الفيديوهات ضبط كميات كبيرة من الأسلحة مع المخربين)، وبرز جانب تخريبي واجرامي (هجوم شاه جراغ نموذجاً) ادّى إلى انسحاب عدد من المتعاطفين في المراحل الأولى، مما يجري، وهو ما عكسه التشييعات الحاشدة لضحايا الارهاب من عناصر الشرطة وغيرهم في العديد من المدن الايرانية كأصفهان ومشهد وايذه.

هل يمكن وضع هذا العنف والارهاب إضافةً إلى إهانة الحجاب (هو فريضة في الديانة الإسلامية)، من خلال ربطه بطرف عصا وحرقه في الشارع، إضافة إلى قيام شباب يرافقون تجمعات نسائية خلعت الحجاب، برمي عمامات رجال الدين بالأرض، في خانة دعم الحريات وتحقيق مستقبل أكثر تطوراً وانفتاحاً؟

هل يعكس مطلب “إلغاء قانون الحجاب الالزامي”، وهو المطلب الوحيد الواضح والمحدد والأكثر تردداً، أن هناك معارضة ايرانية فعلية لديها رؤية واضحة، وليست مجرد مجموعات تنفذ أهدافاً خارجية؟ إذ أنه من غير المنطقي أن يكون الحجاب هو العائق أمام ازدهار ايران، التي تعطي المرأة حق تبوؤ أرفع المناصب السياسية والدبلوماسية (يروّج معهد واشنطن إلى أن الهدف من إلزامية الحجاب هو تهميش المرأة)، والتي أنهكتها العقوبات التي فرضها الغرب نفسه المهلل لما يجري، إضافة إلى بقايا نظام بائد كان يعيش في القصور المترفة على حساب الشعب (دعا ابن الشاه، الجيش الايراني إلى عصيان الأوامر والدفاع عن الشعب “المقهور”، وتعهد بمحاكمة الامام الخامنئي). فأيُّ ايران يريدون؟

في مراسم تشييع شهداء الهجوم الإرهابي الذي استهدف مرقد السيد أحمد بن موسى الكاظم عليه السلام في مدينة شيراز، أكد قائد الحرس الثوري الايراني اللواء محمد سلامي أن “الولايات المتحدة تعمل على أن تكون ايران البلد المتخلف الذي يلتمس المساعدة منها”، موجهاً رسالة إلى المملكة العربية السعودية قائلاً “نقول للسعودية والاعلام الخاضع لها ومن يدير الفتن بأننا سنأتي إليكم، هذا النظام المهترئ لن نتركه وسننتقم منه وننزع أمنه”. فهل يسري ذلك ايضاً على شركاء الرياض في مخطط التخريب: أمن “اسرائيل” مثالاً؟

المصدر: موقع المنار

البث المباشر