الإثنين   
   29 06 2026   
   14 محرم 1448   
   بيروت 23:57

السودان | تصاعد الهجمات على الأُبيض يفاقم الأزمة الإنسانية وسط تحذيرات أممية من حصار شامل

تفاقمت الأوضاع الإنسانية في مدينة الأُبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان في السودان، مع استمرار هجمات الطائرات المسيّرة التي استهدفت محطات الكهرباء والوقود والمياه، ما أدى إلى تعطل الخدمات الأساسية ودفع آلاف السكان إلى الاعتماد على مصادر مياه غير آمنة، وسط تحذيرات أممية من اقتراب المدينة من حصار شامل.

وقالت أقسام محمد، التي تقيم مع أطفالها السبعة في مخيم الرحمانية على أطراف المدينة، إن العائلات باتت تقطع يومياً مسافات طويلة تحت أشعة الشمس للحصول على مياه عكرة من بئر بعيدة، مضيفة: “نسير لمسافات طويلة ونحمل المياه فوق رؤوسنا، وهي أصلاً غير صالحة للشرب”، مؤكدة أن المخيم يعاني نقصاً حاداً في المياه والمواد الغذائية.

وخلال الأسابيع الأخيرة، كثفت قوات الدعم السريع هجماتها الجوية على الأُبيض، مستهدفة البنية التحتية المدنية، ومنشآت الكهرباء والوقود، والطرق الرئيسية المؤدية إلى خارج المدينة، بالتزامن مع حشد تعزيزات عسكرية أعادت إلى الأذهان المشهد الذي سبق الهجوم على مدينة الفاشر في شمال دارفور نهاية العام الماضي، والذي قال خبراء في الأمم المتحدة إنه حمل سمات الإبادة الجماعية.

وتضم مدينة الأُبيض، التي يبلغ عدد سكانها نحو نصف مليون نسمة، ما يقارب 100 ألف نازح فروا من أعمال العنف في المناطق المجاورة، وتكتسب أهمية استراتيجية لوقوعها على طريق يربط إقليم دارفور، الذي تسيطر قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة منه، بوسط السودان وشرقه الخاضعين لسيطرة الجيش.

وأعرب مجلس الأمن الدولي، الأسبوع الماضي، عن قلقه من “حشد تعزيزات عسكرية كبيرة” لقوات الدعم السريع حول المدينة، محذراً من خطر وقوع “فظائع جماعية” وشيكة.

وقالت الباحثة في منظمة مشروع بيانات ومواقع وأحداث النزاعات المسلحة (إيه سي إل إي دي)، نهاد الطيب، إن تحركات عسكرية لقوات الدعم السريع رُصدت خلال الشهر الماضي على بعد نحو 60 كيلومتراً شمال الأُبيض وجنوبها وغربها.

ويرى محللون أن السيطرة على المدينة من شأنها تعزيز نفوذ قوات الدعم السريع في غرب السودان، وربما تمهيد الطريق للتقدم نحو العاصمة، نظراً لما تضمه الأُبيض من فرقة مشاة تابعة للجيش، وقاعدة جوية، وخط أنابيب نفط رئيسي، وسوق كبيرة للصمغ العربي، وهو من أبرز السلع الاستراتيجية في البلاد.

واعتبرت الباحثة في الشؤون السودانية، خلود خير، أن السيطرة على الأُبيض ترتبط بـ”السلطة والأرض والمال”.

وأدت المعارك وقطع الطرق وتقييد الحركة إلى صعوبة الوصول إلى المدينة والتحقق من المعلومات بشكل مستقل، فيما أظهرت مشاهد ميدانية نساء يحملن حاويات المياه بعد ساعات من الانتظار عند الآبار، في وقت تعيش فيه نحو 200 أسرة في مخيم الرحمانية داخل مآوٍ مؤقتة من القش والأقمشة وألواح البلاستيك.

وقالت وسيلة محمد، البالغة من العمر 70 عاماً: “ليس لدينا أي شيء، لا مياه ولا غذاء ولا فرش”، في حين أكد أحد المتطوعين الإنسانيين أن الاحتياجات الإنسانية باتت تفوق بكثير حجم الإمدادات المتوافرة، مع الحاجة الملحة إلى الغذاء والرعاية الصحية.

وفي أنحاء المدينة، أفاد سكان باستمرار تحليق الطائرات المسيّرة، وسط حالة من الخوف وعدم اليقين. وقال أحد السكان، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، إن “كل شيء في الأُبيض في أزمة، ويتم استهداف المدنيين والبنية التحتية باستمرار”.

وأكدت خلود خير أن كثيراً من السكان أصبحوا محاصرين فعلياً، في ظل تضاعف أسعار المياه، وارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة تصل إلى 300 في المئة، فضلاً عن الزيادة الكبيرة في تكاليف النقل، مشيرة إلى أن كثيرين لم يتمكنوا من مغادرة المدينة بسبب عدم امتلاكهم المال أو لعدم معرفتهم بوجهة آمنة.

من جانبه، حذر محمد رفعت، من المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، من أن الأُبيض تقترب من حصار شامل قد يمنع المدنيين قريباً من الخروج أو العودة بأمان.

وأوضح أن منظمات الإغاثة علقت أنشطتها في المدينة نتيجة التدهور الأمني وصعوبة الوصول إليها، بينما باتت الاحتياجات الإنسانية تتجاوز حجم المساعدات المخزنة مسبقاً.

وأضاف أن الأوضاع قد تصبح، خلال أسابيع، مشابهة لما شهدته مدينة الفاشر، حيث اضطر المدنيون إلى الاعتماد على أعلاف الحيوانات للبقاء على قيد الحياة خلال حصار استمر 18 شهراً.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى مقتل أكثر من ستة آلاف شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى لسقوط الفاشر، فيما حذرت دول غربية من خطر تكرار فظائع مماثلة في حال سقوط الأُبيض.

وفي السياق، أفاد مصدر حكومي بأن الجيش السوداني تمكن خلال الأسبوع الماضي من تدمير معدات وآليات تابعة لقوات الدعم السريع في محاولة لإبطاء تقدمها نحو المدينة.

في المقابل، اتهم مصدر مقرب من قوات الدعم السريع الجيش باستخدام المدنيين دروعاً بشرية، معتبراً أنه كان ينبغي إجلاؤهم من مناطق المواجهات.

ورغم اختلاف التركيبة السكانية في الأُبيض عن الفاشر، التي اتخذ العنف فيها طابعاً عرقياً، أعربت الباحثة نهاد الطيب عن خشيتها من أن يواجه المدنيون في الأُبيض عمليات نهب وعنفاً جنسياً وهجمات تستهدف من يُشتبه في دعمهم للجيش.

المصدر: أ.ف.ب.