لم يكن اغتيال قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني عام 2020، حدثًا عابرًا في مسار الصراع الإقليمي، بل شكّل محطة مفصلية كشفت، حتى باعتراف خصومه، محدودية أثر الضربة الأميركية على مشروعٍ بنته شخصيته العسكرية على مدى عقود.
فالولايات المتحدة، التي اعتقدت أن تصفية سليماني ستوجّه ضربة قاصمة لمحور المواجهة مع الكيان الإسرائيلي، وجدت نفسها أمام واقع مغاير، إذ استمر المسار ذاته من دون تغيير جوهري، في دلالة على عمق البنية التي أسّسها الرجل، سواء داخل «فيلق القدس» أو عبر الجبهات والفصائل التي كان له إسهام مباشر في دعمها وتطويرها.
وُلد قاسم سليماني في 11 آذار/مارس 1957 في قرية «قناة ملك» التابعة لقضاء رابور في محافظة كرمان جنوبي إيران. ومع انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 وسقوط نظام الشاه، انخرط في صفوفها، ثم التحق مطلع عام 1980 بـ«حرس الثورة الإسلامية» عقب إعلان قيام الجمهورية الإسلامية بقيادة الإمام الخميني (قده).
برز اسمه خلال الحرب الإيرانية ـ العراقية (1980 – 1988)، وهو في عقده الثالث، حيث أسهم في تدريب كتائب عدة في محافظة كرمان جرى إرسالها إلى جبهات القتال. وفي عام 1982، عيّنه قائد الحرس الثوري آنذاك اللواء محسن رضائي قائدًا للواء «ثأر الله 41»، الذي ضم مقاتلين من محافظات كرمان وسيستان وبلوشستان وهرمزكان.
وخلال قيادته اللواء، قاد سليماني عمليات عسكرية نوعية، وحقق «تميّزًا» في مهام الاستطلاع خلف الخطوط العراقية، وشارك في معارك مفصلية أبرزها «الفجر 8» و«كربلاء 4» و«كربلاء 5»، حيث اقتحمت قواته خطوط الجبهة العراقية، ما رسّخ صورته قائدًا ميدانيًا ناجحًا وصاحب تأثير مباشر في سير المعارك.
ومع انتهاء الحرب عام 1988، رُقي إلى رتبة عميد، وعُيّن قائدًا للحرس الثوري في محافظة كرمان، وتولى مهام أمنية حساسة على الحدود مع أفغانستان، شملت مكافحة تهريب المخدرات. وخلال فترة وجيزة، برز كأحد أبرز القادة العسكريين في المناطق الحدودية، جامعًا بين الخبرة الميدانية والقدرة التنظيمية.
في عام 1998، كلّف الإمام السيد علي خامنئي سليماني بقيادة «فيلق القدس»، وأسند إليه ملف العلاقات الخارجية للحرس الثوري في عدد من الدول الإقليمية. ومن موقعه هذا، لعب دورًا محوريًا في دعم وتطوير فصائل المقاومة في مواجهة الكيان الإسرائيلي والاستكبار العالمي، كما تصدّى لملف الإرهاب في المنطقة، معلنًا عام 2014 الحرب على (داعش).
وكان لسليماني دور بارز في تأسيس «الحشد الشعبي العراقي» بهدف مواجهة التنظيم الإرهابي وحماية المقدسات، حيث أشرف ميدانيًا على معارك مفصلية، من بينها آمرلي، وتكريت، والفلوجة، وجرف الصخر، وأربيل، ليغدو اسمه مرتبطًا بانتصارات القوات العراقية في تلك المناطق.
وفي العاشر من آذار/مارس 2019، منحه الإمام السيد علي خامنئي وسام «ذو الفقار»، أعلى وسام شرف في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تقديرًا لإنجازاته العسكرية، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ قيام الجمهورية.
داخليًا، يُعدّ الشهيد قاسم سليماني «بطلًا قوميًّا» في إيران، وهو ما عكسه مشهد تشييعه المهيب، حيث خرجت ملايين الجماهير لتوديع جثمانه الذي نُقل بين بغداد وكربلاء والنجف، ثم إلى مدن إيرانية عدة، أبرزها مشهد والأهواز، قبل أن تُقام صلاة الجنازة عليه في طهران بإمامة الإمام السيد علي خامنئي، ويوارى الثرى في مسقط رأسه كرمان في 8 كانون الثاني/يناير 2020.
تحليليًا، لم يكن تأثير سليماني مرتبطًا بشخصه فحسب، بل بالبنية الاستراتيجية التي ساهم في ترسيخها، وهو ما يفسر استمرار حضوره السياسي والعسكري بعد اغتياله. فالرجل، وفق هذا المنظور، لم يكن مجرد قائد عسكري، بل مهندس شبكة إقليمية من العلاقات والتحالفات، جعلت غيابه الجسدي عاجزًا عن إحداث الفراغ الذي راهنت عليه واشنطن.
للمزيد: في ذكرى شهادة سليماني والمهندس.. عن قائدين حيَّين في وجدان شعوب المنطقة
المصدر: موقع المنار
