ما حدث مع الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، وما تعرض له من إهانات واضحة على يد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه جيمس ديفيد فانس أمام عدسات الكاميرات، يدل بوضوح على كيفية تعامل المسؤولين الأميركيين مع حلفائهم والجهات التابعة لهم. فسواء كانوا رؤساء أو ملوكاً وأمراء، أو أنظمة وحكومات، أو حتى جمعيات ومنظمات، فإنهم لا يُعاملون إلا كأدوات تُستخدم لخدمة المصالح الأميركية.
مشهد مُحضّر مسبقاً
من حيث الشكل، بدا واضحاً أن المشهد كان مُحضّراً مسبقاً، حيث تم استدعاء زيلينسكي واستدراجه إلى هذا الموقف المهين، بهدف تهشيم صورته بطريقة استعراضية على الطريقة الترامبية، وإجباره على تقديم “الشكر” للولايات المتحدة ورئيسها، والاعتراف بأنه بلا دعم واشنطن لم يكن ليستمر في مواجهة روسيا. وهذا ضمناً يؤكد التورط الأميركي في التلاعب بأمن روسيا وأوروبا والعالم، عبر التهديد بحرب عالمية، وهو أمر تحدث عنه ترامب نفسه خلال المشادة الكلامية مع زيلينسكي.
إهانة ممنهجة أم حالة فردية؟
فهل يُظهر تصرف ترامب ونائبه أن الإدارة الأميركية تتعامل بقلة احترام مع من تعتبرهم تابعين لها في مختلف أنحاء العالم، أم أن هذا مجرد تصرف فردي يرتبط بشخصية الرئيس الأميركي الحالي المثيرة للجدل؟ هل ما جرى يمثل نهجاً عاماً، أم أنه وضع خاص يتعلق بزيلينسكي، الذي لا يزال مصراً على لعب دوره كأداة في المشروع الأميركي الغربي ضد روسيا؟ وهل يمكن أن ينعكس هذا الأسلوب الأميركي على المسؤولين والحكام في العالم العربي، الذين يُعتبرون “حلفاء” أو تابعين للولايات المتحدة؟
المفارقة هنا هي.. هذه #أوكرانيا أيها “الاتباع” وهكذا يعاملها #ترامب.. فكيف سيكون مصيركم عندما “تفشلون” في تحقيق ما يريده منكم؟
أو عندما ينتهي منكم؟
نعلم أنكم لا تتعلمون ولا تتعظون .. ولكن إذا كان #ترامب يهين #زيلينسكي بهذه الطريقة، فكيف تهينكم أيها الأقزام سفيرته أو سفيره؟
☺️😂 pic.twitter.com/lvzWruHGyf— jamal cheaib | جمال شعيب (@JamalCheaib) February 28, 2025
إدارة الحروب والمصالح
حول هذه التساؤلات، قال مدير “المؤسسة الوطنية للدراسات والإحصاء”، الدكتور زكريا حمودان، إن “ما حدث أمام مرأى العالم من مشهد استعراضي بين ترامب وزيلينسكي يشير إلى أن الرئيس الأميركي يرسل إشارة واضحة بأنه هو من يتحكم بهذه الحروب التي تشتعل بين الحين والآخر، وأن أميركا هي من تديرها وتدعمها”. وأضاف أن “هذه إشارة إلى أن الأميركيين يشعلون الحروب بهدف التفاوض لاحقاً على إنهائها مقابل تحقيق مكاسبهم”.
واعتبر حمودان في حديث لموقع قناة المنار أن “الأميركيين يتفاوضون مع الأوروبيين والروس حول الحرب الأوكرانية، وهذا يؤكد أن زيلينسكي ليس سوى أداة تم التلاعب بها إعلامياً لتحقيق مكاسب أميركية في أوروبا وضد روسيا، وفي صفقات المعادن مع أوكرانيا”.
وفي هذا السياق، أشار حمودان إلى أن “النهج الأميركي في التعامل مع الأدوات والحلفاء ليس جديداً، وقد رأينا نموذجاً آخر من هذا الاستعراض، لكن بطريقة مختلفة، عندما قال ترامب للسعودية: عليك أن تدفع، نحن نحميك”. وأضاف “هذا يدل على أن ترامب يتعامل بعنجهية، ويفرض سطوته على الدول التابعة له”. ويمكن أيضاً الإشارة إلى استقبال ترامب الأخير للملك الأردني عبد الله الثاني، والانطباعات التي خرجت عن اللقاء، خصوصاً في الشكل والأسلوب أمام عدسات الكاميرات، والطريقة التي تعاطى بها ترامب مع الملك الأردني.
تسويات أم حروب؟
وأوضح حمودان أن “الفترة المقبلة قد تشهد انقساماً أميركياً – أوروبياً محدوداً، لكن في النهاية، الجميع يتحدث عن السلام”. واعتبر أن “هناك جهة رئيسية تدير اللعبة الكبرى في العالم، ربما تكون دولة عميقة تسعى لتحقيق مكاسب مالية واقتصادية بالدولار، بهدف تحقيق توازن جيو-اقتصادي – سياسي، وهي من ستتولى إدارة الملف وتقديم ما يريده ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين”. وأضاف: “مثل هذه التسوية لن تقتصر على أوكرانيا فقط، بل ربما تشمل عدة ملفات دولية أخرى”.
وتابع حمودان “لماذا أتحدث عن التسويات؟ لأنه ببساطة، إذا لم تكن هناك تسويات، فمن الطبيعي أن يكون الحل البديل هو الحروب”. ورأى أن “رجل المال لا يقاتل، وبالتالي، ترامب لن يخوض حرباً، بل سيتجه نحو المفاوضات لتعزيز الأوضاع الاقتصادية والمالية في الولايات المتحدة، مما يعني تعزيز مكانة الدولار، الذي يشهد تراجعاً في الآونة الأخيرة، بسبب غياب التوازن بين قيمته الفعلية وأي معدن أو أصل اقتصادي يوازيه”.
وأشار حمودان إلى أن “هذا الوضع قد يؤدي إلى انهيار الدولار، لذلك، يُقال إن ترامب يخوض معركة للدفاع عن الدولار بشكل غير مباشر”. وتابع “ما نشهده اليوم من سياسات أميركية خارجية، يبدو أنه يستند إلى هذا البعد المالي والجيو-اقتصادي”.

“سياسة أميركا.. لا أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون باستثناء “إسرائيل”
من جهته، رأى الباحث في الشأن الأمريكي الدكتور علي رزق أن “ما جرى مع زيلينسكي في البيت الأبيض مرتبط بحالة عامة ولكنه يرتبط أيضًا بترامب، أي أن الأمرين معًا ينطبقان”، وتابع “بمعنى أن الولايات المتحدة، عندما لا تعود بحاجة إلى حليف معين أو عندما تنعدم الحاجة إليه، فإنها تتصرف وفقًا لمصالحها في كثير من الأحيان، وليس بنسبة مئة في المئة، ولكن في العديد من الحالات”.
وذكّر رزق في حديث لموقع قناة المنار “بمقولة هنري كيسنجر: ليس هناك أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون”، وتابع “هذه هي السياسة الأمريكية باستثناء إسرائيل”، وأضاف “هناك بعد عام يتعلق بتوجهات السياسة الأمريكية عمومًا، وهناك بعد آخر يتعلق بالعلاقة الشخصية غير الودية بين ترامب وزيلينسكي”.
وعن علاقة الدول العربية بواشنطن، قال رزق “الدول التي تعتبر من أقرب حلفاء الولايات المتحدة، مثل السعودية، لم تكن دائمًا خاضعة بشكل كامل للإرادة الأمريكية، ونذكر هنا تصريحات بايدن عندما وصف السعودية بأنها دولة منبوذة، الأمر الذي دفع المملكة إلى تعزيز علاقاتها مع روسيا”. وأضاف: “هذا أظهر أن السعودية تمتلك أوراقًا تستطيع استخدامها لتعزيز علاقاتها مع الدول المنافسة للولايات المتحدة، مثل الصين وروسيا، وأن الأمر لا يقتصر فقط على التبعية المطلقة”، وأوضح “لكن هذا لا يعني أن جميع الدول العربية مستقلة تمامًا، إذ لا تزال العديد من الدول تخضع بشكل أو بآخر للإرادة الأمريكية، خاصة مع شخصية مثل ترامب، الذي قد لا يتردد في سحب المظلة الأمنية عن بعض الدول إذا رأى ذلك مناسبًا لمصالحه”.
أما بالنسبة لتصريحات ترامب بشأن زيلينسكي ومقولة إنه “يقامر”، قال رزق إن “هذه التصريحات تستهدف بايدن بالدرجة الأولى أكثر من زيلينسكي، حيث يرى ترامب أن بايدن هو من سمح بتدهور الأوضاع إلى هذا الحد، وأن اندلاع الحرب في أوكرانيا حدث في عهده”. وتابع: “بالتالي، فإن انتقاد ترامب موجه في الأساس إلى بايدن، وربما أكثر منه إلى زيلينسكي”. وأضاف: “على أي حال، يمكن اعتبار ذلك اعترافًا ضمنيًا بتورط الدولة العميقة والإدارة الديمقراطية في هذه الأزمة”. وأوضح أن “ترامب يعتبر نفسه عدوًا للدولة العميقة، ويرى أن ما يجري هو جزء من لعبة سياسية معقدة تتورط فيها مؤسسات الدولة الأمريكية”.
يبقى التذكير بأن الإدارة الأميركية لا تبحث سوى عن مصالحها في العالم، وعن أمن كيان العدو الإسرائيلي في منطقتنا. أما غير ذلك، فلا يعنيها إلا بقدر المكاسب التي يمكن تحقيقها من أي علاقة أو حرب أو صفقة. وبالتالي، على من يقيم علاقة مع الأميركيين أن يدرك أنه لا ضمانة ولا دعم مطلق له من البيت الأبيض، ويمكن التخلي عنه في أي لحظة، طالما أن المصلحة الأميركية تتطلب ذلك.
المصدر: موقع المنار