بيان في تأييد نداء الأزهر الشريف، وتصويبِ ما حُمّل عليه تعقيبا على بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الصادر في الدوحة بتاريخ ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
تحيّةٌ لنداء الأزهر:
يحيّي الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة النداء الأخوي الذي أطلقه فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، داعياً إلى الوقف الفوري الشامل للحروب المشتعلة في بلادنا، وإلى تأليف لجنة عاجلة من حكماء الأمة للوساطة والتهدئة، ويرى فيه صوت مرجعية عريقة قدّمت أخوّة الدين والدم على حسابات المحاور، فلم تشترط على أحد، ولم تستثن أحداً، ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (هود: ٨٨).
ميزانٌ واحد لا ميزانان:
وقد قرأنا بيان الإخوة في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في تأييد هذا النداء، فقدّرنا ما افتتح به، غير أنه ما لبث أن حمّل النداء ما لم يحمله، فجعل مصر أول ميادين المحاسبة، كأن دعوة إلى إطفاء الحرائق في جسد الأمة لا تُقبل من صاحبها حتى يُفتح دفتر بيته، وتلك قراءة تفتش في النداء عن قائله لا عن مضمونه، ولسنا نهوّن من مظلمة معتقلٍ في أي بلد، لكن الإنصاف ميزانٌ واحد، لا يُرفع في بلدٍ ويُخفض في آخر.
علماءُ خلف القضبان:
وإن كان لا بد من التسمية فلتكن عادلة، ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (الأنعام: ١٥٢)، فلا وجه لأن تُسمّى مصر وحدها، وتُطوى تحت عبارة عامة بلادٌ تغص سجونها بالعلماء والدعاة، ففي المملكة العربية السعودية يقبع الشيخ سلمان العودة في محبسه منذ أيلول ٢٠١٧، وقد كان أميناً عاماً مساعداً للاتحاد صاحب البيان، ومعه الشيخ سفر الحوالي على شيخوخته ومرضه، وإمام المسجد الحرام وخطيبه الشيخ صالح آل طالب، وقد طالبت النيابة هناك بقتل بعض الدعاة تعزيراً بسبب آرائهم، ومنهم من قضى نحبه في السجن كالدكتور عبد الله الحامد والشيخ موسى القرني، وفي الإمارات قُضي بالمؤبد على العشرات في محاكمة جماعية واحدة، وفي البحرين يقضي الشيخ علي سلمان حكماً بالمؤبد في قضيةٍ بُنيت على اتصالات أجراها عام ٢٠١١ مع رئيس وزراء قطر يومذاك، فإن كان السكوت عن هؤلاء حكمةً فلتتسع الحكمة لمصر أيضاً، وإن كان البيان واجباً فهو واجبٌ في حق الجميع.
اليمن: حربُ إقليم لا خلاف إخوة:
اما اليمن، فقد صوّره البيان خلافاً بين إخوة يُرأب بالحوار، ثم انحاز إلى أحد طرفيه فدعا إلى “تحرير صنعاء”، وهي عين الغاية التي أعلنتها العملية العسكرية المشتعلة منذ مطلع هذا الشهر، ولا يستقيم تأييد نداء يطلب الوقف الفوري للحرب مع تبني الهدف المعلن للحرب نفسها، ثم سمّى البيان النفوذ الإيراني وحده باسمه، وأجمل ما سواه في عبارة عامة، فسكت عن تحالفٍ تقوده السعودية شنّ حربه على اليمن منذ عام ٢٠١٥ وعاد طيرانه اليوم إلى سماء صنعاء، وعن حليفي الأمس اللذين تنازعا موانئ الجنوب حتى قصف التحالف في ميناء المكلّا أواخر ٢٠٢٥ شحنةً قال انها جاءت من الإمارات، وعن أساطيل أميركية وبريطانية وطيران صهيوني تناوبت على قصف صنعاء والحديدة، فليس اليمن ساحة خلاف عائلي يُصلحه مجلس صلح، بل ميدانٌ تتصارع فيه قوى الإقليم والعالم بدماء أبنائه.
صنعاء التي وقفت مع غزة:
ولسنا ندّعي لأنصار الله عصمة، فهم كسائر البشر يصيبون ويخطئون، وما يُؤخذ عليهم يُعالج بالنصح والحوار داخل البيت اليمني، لا بتأييد حربٍ تريد انتزاع عاصمتهم، غير أن صنعاء هذه هي التي وقفت مع غزة حين صمتت عواصم كثيرة، وأعلنت نصرتها ديناً يُدان الله به لا ورقةً يُساوم عليها، أخذاً بقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ (الأنفال: ٧٢)، وكان أهلها أوضح رؤية من كثيرين حين سمّوا عدو الأمة باسمه، وثبتوا تحت القصف حتى اغتال العدو الصهيوني في آب ٢٠٢٥ رئيس حكومتهم وعدداً من وزرائها، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين نفسه أفتى في نيسان ٢٠٢٥ بوجوب الجهاد بالسلاح على كل مسلم مستطيع، ودعا إلى حصار المحتل براً وبحراً وجواً، وقد سبقت صنعاء إلى شيءٍ من ذلك فعلاً لا قولاً، فهل يكون جزاء من صدّق الفتوى بالعمل أن يُدعى إلى إخراجه من عاصمته؟.
فلسطين: بوصلةٌ لا ملفّ:
واما فلسطين، فقد أحسن البيان وصف ما يكابده أهلها من عدوان وتهجير وحصار، لكنه انتهى بواجب الأمة نحوها إلى تنسيق الجهود للتعريف بقضيتها وحشد الدعم لها وطرق أبواب القانون والسياسة، كأنها قضية مجهولة تنتظر من يعرّف العالم بها، والعالم كله شهد الإبادة على الهواء، ولم يرد في البيان ذكرٌ للمقاومة ولو بكلمة، ولا تسميةٌ للمحتل باسمه، وهو الذي لم يتردد في تسمية إيران، ان فلسطين لا تُنصر بالتعريف بها، بل بنصرة من يقاوم على أرضها، والمقاومة حق كفلته الشرائع السماوية والمواثيق الدولية، ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: ٣٩)، ولا تستحق مصالحة في الأمة اسمها ما لم تجتمع على أن العدو واحد، وأن البوصلة فلسطين.
تحالفات يسكت عنها البيان:
وإذا كان البيان قد سمّى إيران باسمها، فإن الأمانة العلمية تقتضي أن يعلن الاتحاد موقفه الصريح مما سكت عنه، من التحالف المعلَن بين الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني، وهي التي تمده بالسلاح، وتحميه في مجلس الأمن، وتشاركه العدوان على أمتنا، ومن تحالف القوى التي تقاتل في اليمن مع الإدارة الأميركية نفسها، فقد صُنّفت المملكة العربية السعودية قبل أقل من عام حليفاً رئيسياً لواشنطن من خارج حلف شمال الأطلسي، ووقّعت معها اتفاقية دفاعٍ استراتيجي، ولما انطلق الهجوم الأخير على صنعاء سارع وزير الخارجية الأميركي إلى وصفه بأنه هجوم مضاد لاستعادة الأرض، فمن يتحالف مع راعي الصهيونية ثم يقاتل من يقاتلها، أين يضعه ميزان الاتحاد؟.
من جامع للأمة إلى طرف في محور:
وما هذا الانتقاء إلا أثر من تحوّل أعمق في مسيرة الاتحاد نفسه، فقد انطلق عام ٢٠٠٤ على يد الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله جامعاً لعلماء الأمة على اختلاف مذاهبهم، وكان من نواب رئيسه آية الله الشيخ محمد علي التسخيري رحمه الله من علماء الشيعة، وسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي سلطنة عُمان من علماء الإباضية، ثم ضاقت الدائرة حتى صار خطابه اليوم يصطف مع محور بعينه، يسمّي من يشاء ويسكت عمن يشاء، وأول ما يُطلب ممن يعرض نفسه وسيطاً أن يقف من الجميع على مسافة واحدة.
نداءٌ صاف كما صدر:
إن الاتحاد العالمي لعلماء المقا ومة، إذ يجدّد تأييده لنداء الأزهر الشريف كما صدر، صافياً من الشروط والاستثناءات، يدعو إلى أن يبقى هذا النداء مظلة تجمع ولا تفرّق، لا منبراً لتصفية الخصومات أو لتقاسم الأدوار، وأن تبدأ لجنة الحكماء من حيث بدأ الأزهر: وقف فوري للحرب، ورفعٌ لأيدي الخارج عن اليمن وسائر بلادنا، وحوار لا يُقصي أحداً ولا يُستثنى منه أحد.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل
المصدر: بيان
