تحت عنوان “تجارة الشحن الخليجية التي اختفت” نشرت صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية تقريرا موسعا حول تأثيرات اغلاق مضيق هرمز
لم يُفتح هرمز فعلياً أمام التجارة الخليجية رغم الحديث الأميركي المتكرر عن السيطرة على المضيق ومرور ناقلات النفط تحت الحماية العسكرية؛ فالحركة غير النفطية ما تزال شبه مشلولة، وأصبحت تجارة الحاويات والسلع الجافة والغاز والبتروكيماويات والمواد الغذائية تدفع ثمناً أكبر بكثير من تجارة الخام نفسها.
كلفة شحن الحاوية بطول أربعين قدماً إلى الإمارات ارتفعت من 1,250 دولاراً قبل الحرب إلى ما يصل إلى 10 آلاف دولار، بينما قفز التأمين البحري من 120 دولاراً إلى ألف دولار للحاوية.
زمن الرحلة من الصين إلى الإمارات تضاعف إلى نحو 60 يوماً، مع احتجاز الحاويات أحياناً في منتصف الطريق بانتظار إعادة الشحن في موندرا الهندية أو كولومبو السريلانكية.
تاجر يلخص المشكلة بقوله إن الأعمال نفسها جيدة، لكن إدخال البضائع إلى موانئ الإمارات أصبح «كابوساً». هذه نقطة مهمة لأن الاختناق هنا ليس نقص طلب، بل انهيار كفاءة سلسلة الإمداد.
الإدارة الأميركية تركز على مرافقة ناقلات النفط المحملة بملايين البراميل، لكن المسؤولين والتجار في الخليج يقولون إن هذا لا يحل مشكلة دخول السلع والمواد الأولية والحاويات إلى المنطقة.
مسؤول خليجي قال إن النهج الأميركي الحالي غير قابل للاستمرار على المدى الطويل لأنه يركز على إخراج النفط والغاز ولا يركز على إدخال البضائع والسلع الأساسية.
وأضاف أن بعض السلع الغذائية التي تُنقل براً أصبحت تكلف نحو ثلاثة أضعاف أسعار ما قبل الحرب، واعتبر أن الوضع يمكن تحمله مؤقتاً لكنه ليس قابلاً للاستمرار لا بالنسبة للخليج ولا للولايات المتحدة.
ناقلات النفط العملاقة تستطيع في بعض الرحلات في الشرق الأوسط تحقيق إيرادات قياسية تصل إلى مليون دولار يومياً، بينما سفن الشحن الجاف لا تزال تحقق عشرات آلاف الدولارات فقط، وبالتالي لا يبرر العائد المخاطرة نفسها.
سفن الحاويات كانت الأكثر عزوفاً عن المخاطرة؛ بين أول مارس و7 سبتمبر عبر إلى الخليج 240 سفينة حاويات فقط مقابل 4,198 قبل عام، أي انخفاض بنحو 94%.
قبل الأزمة كان هناك 99 خطاً منتظماً للحاويات يعمل داخل الخليج أو يمر إليه، تمثل نحو 10% من أسطول الحاويات العالمي. الآن بقي 11 خطاً فقط؛ عشرة منها تتحرك بين موانئ الخليج، وواحد مخصص للتجارة بين إيران والصين.
داخل الخليج لم تظهر حتى الآن نواقص خطيرة شاملة، لكن بدأت تظهر اختفاءات جزئية للسلع؛ متاجر رياضية نفدت منها خوذ دراجات الأطفال، وكلاء سيارات عجزوا عن إدخال طرازات جديدة، وبعض الحانات نفدت منها مشروبات محددة.
الأثر الأهم حتى الآن هو ارتفاع الكلفة على الشركات والمستهلكين أكثر من الانقطاع الكامل للسلع.
جيسون توفي من «كابيتال إيكونوميكس» يقول إن حكومات الخليج اضطرت إلى تقديم دعم مالي للتخفيف من اضطرابات الإمداد، وإن معظمها، باستثناء الإمارات، أبقى أسعار الوقود المحلية مستقرة رغم ارتفاع الأسعار عالمياً.
الأزمة أصبحت أخطر بعد أن شدد الحوثيون هذا الشهر قبضتهم على باب المندب، ما يعني أن الخليج لم يعد يواجه اختناقاً في هرمز فقط، بل ضغوطاً إضافية على الطريق البحري الغربي.
ميناء جبل علي، أكبر مركز شحن في المنطقة، أصبح عملياً معزولاً بحرياً عن خطوط التجارة العالمية الطبيعية بسبب إغلاق هرمز.
قبل الحرب كان جبل علي يتعامل مع نحو 40 ألف حاوية نمطية يومياً، وكان تاسع أكثر موانئ العالم ازدحاماً، ويعمل كنقطة إعادة توزيع رئيسية إلى بقية دول الخليج.
البديل الحالي هو ميناء خورفكان على الساحل الخارجي للإمارات، لكنه أصغر بكثير؛ ستة أرصفة و18 رافعة فقط، مقابل 27 رصيفاً و120 رافعة في جبل علي.
المسار البديل الآخر هو النقل البري من موانئ عُمان أو جدة أو الساحل السعودي على البحر الأحمر، بينما تنقل الحكومات الخليجية جواً السلع التي تعتبرها ذات أولوية.
عُمان أصبحت واحدة من أكبر المستفيدين من إعادة توجيه التجارة؛ حجم الشحن في موانئها ارتفع 69% هذا العام.
الرئيس التنفيذي لـ«ميرسك» يقدم مثالاً على حجم الالتفاف المطلوب لخدمة قطر؛ تصل البضائع إلى جدة، ثم تُنقل بالشاحنات إلى الدمام، ثم تُشحن بحراً إلى قطر، وهو حالياً أسرع طريق متاح بحسب قوله.
المصدر: الفايننشال تايمز
