الخميس   
   01 01 2026   
   11 رجب 1447   
   بيروت 17:01

 خاص | فلسطين هذا العام… لم يرَ العدو رايةً بيضاء

مع نهاية عام 2025 وانطلاق صافرة البداية لعام 2026، يمكن القول إن القضية الفلسطينية وكذلك مسار الصراع العربي الاسرائيلي، وحتى المشهد الداخلي في كيان العدو السياسي والعسكري والاجتماعي والاقتصادي، كل ذلك لا زال تحت تأثير تداعيات عملية “طوفان الأقصى” البطولية فجر السابع من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023.

رغم تعدد الآراء والنقاش الذي حصل لاحقاً، عن تلك العملية لجهة التوقيت والمآلات، إلا أن المراقب للأحداث ما قبلها وما بعدها والعارف بطبيعة العقل الصهيوني ومخططاته بتعاون وإشراف أميركي وغربي منقطع النظير، يدرك جيداً أن أسرلة المنطقة ومشروع التهويد والضم للضفة والقدس إضافة إلى تكريس التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى وضرب كل قوى المقاومة وإضعافها تمهيداً لتعميم “اتفاقات ابراهام” وبالتالي طمس قضية فلسطين بكل أبعادها، كل ذلك كان قد انطلق فعلاً قبل فجر السابع من أكتوبر. وليس ما حدث فجر ذلك اليوم إلا نتيجة لتراكم فعل الظلم والإلغاء بحق الفلسطينيين.

لماذا طرح هذه الإشكالية الآن؟ للقول إن “بانوراما” أحداث فلسطين (الضفة والقدس وقطاع غزة) وحتى كيان الاحتلال هذا العام حملت وجهين، ولا بد من الالتفات ومعاينة كلاهما لتحصيل إدراك حقيقي للواقع دون مبالغة: الأول رسمته الوتيرة المتصاعدة لأحداث التهجير والتجويع والقصف والقتل اليومي والإنهيار الكامل للمنظومة الصحية في غزة، التي عاش أهلها عاماً هو الأقسى على هذا الصعيد، كما في الضفة والقدس حيث توالت عمليات العدو الموسعة (عملية السور الحديدي في مخيم جنين في كانون الثاني/يناير والتي توسعت إلى طولكرم ومخيماتها في شباط/فبراير، وعملية محافظة طوباس في تشرين الثاني/نوفمبر) وحملات الاعتقال والهدم اليومية وإعادة إحياء المشاريع الاستيطانية. إضافة إلى إغلاق الاحتلال كافة مؤسسات الأونروا داخل المخيمات، ومصادقة “الكنيست” نهائياً على مشروع قانون يقضي بقطع الكهرباء والمياه عن مكاتبها.

 أما الثاني فهو برسم شعب لم يرفع راية بيضاء حتى اللحظة ولم يخرج من عباءة المقاومة، التي، وبالرغم من عدوان غير مسبوق على مدار عامين وخذلان عربي كاد يكون شاملاً لولا جبهات الإسناد في اليمن والجمهورية الإسلامية الايرانية والمقاومة في العراق ولبنان، استطاعت ” كسر أسطورة الرد الإستراتيجي وادعاءات التفوق الأمني الإسرائيلي، مما ادّى إلى انهيار الرواية والسردية الإسرائيلية المسيطرة طوال عقود زوراً وظلماً، بالإضافة إلى تعقيد وتراجع مشروع التطبيع” كما أعلن رئيس حركة “حماس” في القطاع خليل الحية في الذكرى الـ38 لانطلاقتها منتصف كانون الأول/ديسمبر.

لم يستطع العدو بعد تنصله من اتفاق وقف إطلاق النار في 18 آذار/مارس بعدوان واسع ومفاجئ أدى إلى استشهاد المئات من المدنيين (سبقه بأسبوعين إغلاق المعابر المؤدية إلى غزة بشكل كامل أمام المساعدات)، والذي دخل حيز التنفيذ في 19 كانون الثاني/يناير بوساطة أميركية- مصرية- قطرية (حقق عودة جزئية لآلاف الغزيين إلى شمال مدينة غزة ووسط القطاع، الإفراج عن 33 أسيراً صهيونياً مقابل أكثر من ألف أسير فلسطيني)، لم يستطع إلغاء المقاومة.

فشل الاحتلال في ذلك حتى بعد اغتيال أغلب قادتها العسكريين، وشنّ عمليات برية واسعة ومعقدة لتدمير بنيتها التحتية من شمال غزة إلى جنوبها كان أبرزها “عربات جدعون” (أقرّها “الكابينت” مطلع مايو/أيار 2025) وعملية احتلال مدينة غزة في 8 آب/اغسطس (قتل فيها العشرات من جنود العدو إضافة إلى تسجيل ارتفاع حاد في حالات الانتحار بين الجنود والضباط)، وحتى بعد محاولة اغتيال فريقها المفاوض برئاسة خليل الحية في غارة جوية استهدفت العاصمة القطرية الدوحة في 9 أيلول/سبتمبر.

بعد كل هذا وجد العدو نفسه مجبراً على التفاوض مع هذه المقاومة حصراً لإعادة أسراه الذين هتف ذووهم مع مئات الصهاينة لشهور طويلة ضد حكومة نتنياهو التي تخلت عنهم وواصلت عدوانها غير آبهة بحياتهم، حتى عاد منتصف تشرين الأول/اكتوبر عشرون فقط أحياء من أصل 48، وتواصل البحث تباعاً عن جثث الباقين وسط صعوبة في تشخيص أماكن دفنهم.

 كما لا زالت إشكالية سلاح المقاومة وثقافتها ومحاولة تذويبها وإلغائها، حاضرة في نقاش سلطات العدو وحليفها الأميركي، دون خطة واضحة واقعية.

 وهو ما أظهره الاجتماع الذي ختم العام 2025  بين رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولاية فلوريدا الأميركية: لا “انتصار كامل” لنتنياهو رغم كل ما قام به، ولذلك فإن حروبه لا تزال قائمة سعياً وراء حسم مزعوم، بالرغم من “خطة سلام” ترامب المزعومة التي هلل لها الزعماء العرب في مؤتمر شرم الشيخ في مصر في 13 أكتوبر/تشرين الأول مروجين لها كفاتحة لـ “إحلال السلام في الشرق الأوسط وفتح صفحة جديدة من الأمن والاستقرار الإقليمي”، معلنين بدء المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار في غزة، وهي أوهام نسفها العدو بمواصلة انتهاكاته (استشهد أكثر من 400 فلسطيني منذ بدء وقف النار)، ومواصلة إغلاق المعابر ومنع الإعمار ومكوث الآلاف في خيم في العراء بمواجهة شتاء قارس.

  ماذا عن المرحلة الثانية من الخطة؟ من الواضح أنها اصطدمت حتى الآن بعراقيل التطبيق الفعلي إذ لا قوات دولية جاهزة أو قادرة على فرض سيطرة فعلية على غزة، ولا آلية معتدّاً بها وقابلة للتنفيذ لنزع سلاح “حماس” أو الحؤول دون إعادة تسليحها، ولا إعادة إعمار كون هذا مرفوضاً من العدو الهادف “لإنهاء غزة ككيان، وكوجود فلسطيني”.

وهو ما أكده إضافة إلى تصريحات كل قادته إعلان نتنياهو نهاية كانون الأول/ديسمبر الإعتراف بـ “أرض الصومال”، ما أثار مخاوف من استخدام تلك المنطقة لتطبيق مخطط التهجير.

 كما رأى بعض الخبراء أنه حلقة في مشروع أوسع لإعادة رسم النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وأن “”إسرائيل” تولي اهتماماً بالغاً لـ “أرض الصومال”، نظراً إلى ساحل الأخيرة الممتدّ، وقربها من المناطق الخاضعة لسيطرة “أنصار الله”، بحسب وسائل إعلام العدو التي لفتت إلى أن “”اسرائيل” بحاجة إلى إيجاد بدائل استراتيجية تضمن أمن الملاحة وحماية خطوط التجارة والطاقة الحيوية، خصوصاً في ظلّ تراجع فعالية الأدوات العسكرية التقليدية في مواجهة التهديدات المتزايدة من جانب اليمن”.

لكن ومع كل الضغوط والتحديات التي واجهتها وتواجهها القضية الفلسطينية ومقاومتها، ومع أن نهاية هذا العام تمهد لسنة صعبة وحاسمة على هذا الصعيد، إلا أنه لا يمكن تخطي أن المقاومة تستند إلى قاعدة شعبية صلبة، ورصيد ضخم وطويل من التضحيات والخبرة العسكرية والتنظيمية تمنحها متى حانت الفرصة سبيلاً للتكيف والخروج بشكل أقوى كما حدث أكثر من مرة سابقاً.

الكيان الاسرائيلي… تحديات داخلية كبرى إلى العام الجديد

ومع محاولة الكيان الاسرائيلي هذا العام ترميم صورته المهشمة دولياً بفعل الإبادة ونسف كافة القوانين والشرائع الإنسانية، تأتي استحقاقات أخرى واجهتها حكومة نتنياهو في 2025، كاتهامات من قبل المعارضة والمراقبين بقيادة “إسرائيل” نحو “هاوية اقتصادية” غير مسبوقة بسبب التكاليف الهائلة للحروب، حيث وصل العجز إلى 5.2% – 6%، مع تحذيرات من وكالات تصنيف ائتمانية دولية.

وانطلاقاً من هذا يجمع العديد من الخبراء على أن القيادة الحالية في الكيان ستبذل جهوداً كبيرة خلال العام لتحسين الأداء الاقتصادي، كما سيتم إنفاق مبالغ ضخمة لتطوير أداء الجيش، الذي يواجه أزمة تجنيد كبرى، إذ ذكرت “القناة 12” الاسرائيلية أن “الجيش يدرس حاليًّا مقترحًا لتجنيد “أبناء العمال الأجانب المقيمين” في الأراضي المحتلة، وسبق ذلك مظاهرة مليونية غير مسبوقة شهدتها مدينة القدس نظمها آلاف من “الحريديم” احتجاجاً على محاولات الحكومة إعادة طرح قانون التجنيد الإلزامي الذي يلزم المتدينين بالخدمة العسكرية، وهي أزمة تهدد استقرار حكومة نتنياهو الائتلافية.

في السياق، قالت صحيفة “يديعوت أحرونوت” في 24 كانون الأول/ديسمبر إن نتنياهو أصدر تعليمات إلى مساعديه بالاستعداد لاحتمال تقديم موعد الانتخابات “ربما إلى يونيو/حزيران المقبل”، رغم أن الانتخابات العامة مقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مشيرة إلى أنه “في محادثات خاصة، أعرب نتنياهو عن ثقته في إقرار التشريع المثير للجدل الذي يُعفي الرجال الحريديم من الخدمة العسكرية الإلزامية”، ولكن في مشاورات معمقة تقول مصادر سياسية، بحسب الصحيفة، إن “نتنياهو يُدرك أن الوضع قد يتدهور بسرعة، ولذلك وجّه مساعديه بالاستعداد لاحتمال حلّ الكنيست مبكراً إذا فشل الائتلاف بإقرار مشروع القانون أو ميزانية الدولة”.

وبحسب مراقبين، سيواجه نتنياهو صعوبة في إقرار الميزانية بالكنيست حتى نهاية آذار/مارس المقبل، ما لم يمرر قانون التجنيد الذي يسمح بمنح إعفاءات لـ “الحريديم” من الخدمة العسكرية، وهو الشرط الذي وضعته أحزاب المتدينين من أجل التصويت لصالح الميزانية.

نتنياهو الذي يواجه ايضاً معضلة على المستوى الشخصي: خارجياً، كهارب من مذكرة الجنائية الدولية كمجرم حرب. وداخلياً، كفارٍ من المحاكمات بتهم فساد، لاجئاً إلى صديقه ترامب لتحصيل عفو له، بعد وصف الأخير إياها بأنها “مهزلة قضائية”، مما دفع بعض الصهاينة إلى انتقاد كلام الرئيس الأميركي، وطلبه المباشر من الرئيس اسحق هرتسوغ الاستجابة لطلب العفو قائلاً “سيفعل ذلك. كيف لا يفعل؟”.

المصدر: موقع المنار