السبت   
   29 08 2026   
   16 ربيع الأول 1448   
   بيروت 17:35

خاص | الصراع على ممرات النفط والغاز ومحاولة إعادة رسم طرق الطاقة في الشرق الأوسط

القسم الأول : نقاط الإختناق

لطالما ارتبطت الصراعات في الشرق الأوسط بالنفط والغاز، وبمحاولات القوى الكبرى والإقليمية الوصول إلى مصادر الطاقة والتحكم بها. لكن المعادلة اليوم بدأت تتغير؛ فلم يعد الصراع يدور فقط حول مكان وجود النفط والغاز، بل حول الطريق الذي يسلكانه للوصول إلى الأسواق العالمية. ومع هذا التحول، أصبحت الممرات البحرية وخطوط الأنابيب أكثر من مجرد وسائل لنقل الطاقة، وتحولت إلى عناصر أساسية في ميزان القوة، يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى أدوات ضغط سياسي أو عسكري.

وتكشف التطورات في المنطقة أن الصراع لم يعد يقتصر على امتلاك مصادر الطاقة، بل امتد إلى السيطرة على طرق نقلها وتأمين البدائل عنها. فمضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس والممرات الممتدة عبر العراق وسوريا وتركيا وصولًا إلى شرق المتوسط، تحولت إلى أوراق قوة في صراع تتداخل فيه الطاقة مع السياسة والأمن، وتُعاد من خلاله رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.

ومن هنا تتمثل إشكالية المقال في فهم تحوّل الصراع في الشرق الأوسط من التنافس على مصادر الطاقة إلى التنافس على طرق نقلها، ومدى تحول الممرات البحرية وخطوط الأنابيب إلى أدوات للنفوذ والضغط، ودور الممرات البديلة في إعادة رسم خريطة الطاقة والنفوذ الإقليمي.

من الحرب العسكرية إلى حرب الممرات

لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة بين الدول، بل تطورت لتشمل صراعًا على الممرات المائية وممرات الطاقة والتجارة التي تتحكم في حركة النفط والغاز والبضائع، فأصبحت السيطرة عليها أداةً للضغط السياسي والاقتصادي وتحقيق النفوذ الاستراتيجي. ويبرز ذلك بوضوح في مضيق هرمز ضمن العدوان الأميركي على إيران ، وباب المندب والبحر الأحمر ضمن المواجهة بين أنصار الله في اليمن والسعودية وحلفائها، بما يعكس انتقال الصراع من استهداف الأرض والحدود فقط إلى استهداف طرق العبور التي تشكل شرايين الاقتصاد العالمي.

وفي هذا السياق، يرى الخبير في الاقتصاد والأسواق المالية الدكتور عماد عكوش في مقابلة مع موقع المنار الإلكتروني أن أهمية ممرات الطاقة تتجاوز كونها طرقاً لنقل النفط والغاز، إذ أصبحت نقاط اختناق استراتيجية تؤثر مباشرة في أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين والأسواق المالية. ويبرز مضيق هرمز نموذجاً لذلك، نظراً إلى الكميات الكبيرة من النفط والغاز التي تمر عبره، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة قادراً على إحداث ارتفاعات في الأسعار وتعطيل سلاسل الإمداد وزيادة الضغوط التضخمية، وبالتالي أصبحت حماية طرق العبور وتنويعها جزءاً أساسياً من أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.

وتبرز هذه الأهمية في دراسة لـ كريستوفر إيمرسون وبول ستيفنز، “نقاط الاختناق البحرية والنظام العالمي للطاقة: رسم طريق إلى الأمام، الصادرة عام 2012 عن المعهد الملكي للشؤون الدولية”، والتي تتناول الدور الاستراتيجي للممرات البحرية ونقاط الاختناق في النظام العالمي للطاقة، وتأثير أي اضطراب في حركة العبور على تدفقات الطاقة والتجارة العالمية. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم «حرب الممرات» بوصفها صراعًا لا يقتصر على السيطرة على هذه الممرات، بل يشمل أيضًا تأمين طرق بديلة تتجاوز نقاط الاختناق، بما يجعلها أدوات للضغط والنفوذ السياسي والاقتصادي والاستراتيجي.

وبهذا المعنى، لا تدور «حرب الممرات» حول السيطرة على الممر ذاته فقط، بل حول من يملك القدرة على فتحه أو إغلاقه أو تأمينه أو إيجاد بديل عنه. ولذلك أصبحت مضائق مثل هرمز وباب المندب، وقناة السويس، والممرات البرية التي تربط الخليج بالعراق وسوريا وتركيا وصولًا إلى شرق المتوسط، جزءًا من صراع أوسع تتداخل فيه الجغرافيا مع الطاقة والتجارة والأمن والنفوذ السياسي.

مضيق هرمز… العقدة الاستراتيجية

تنبع الأهمية العالمية لمضيق هرمز من كونه أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة والتجارة في العالم، إذ يشكل نقطة حيوية لتدفق النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق الدولية، ولذلك فإن أي اضطراب في حركة الملاحة فيه لا ينعكس على دول المنطقة فحسب، بل يمتد تأثيره إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد. كما أن موقعه جعله نقطة تقاطع للمصالح الإقليمية والدولية وأداة للضغط والنفوذ، بحيث تحوّل من مجرد ممر مائي إلى ورقة استراتيجية مؤثرة في موازين القوى والأمن الدولي، وأصبح استقراره مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن الملاحة الدولية واستقرار تجارة الطاقة العالمية.

في هذا الإطار يعتبر الدكتور عماد عكوش، ان مضيق هرمز يمثل شرياناً رئيسياً لصادرات الطاقة في الخليج، إذ تمر عبره صادرات عدد من الدول المنتجة، وتتجه نحو 80% من تدفقات النفط عبره إلى الأسواق الآسيوية، ولا سيما الصين والهند. لذلك فإن إغلاقه يترتب عليه خسائر مباشرة في الإيرادات النفطية، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، واللجوء إلى خطوط أنابيب ومسارات بحرية بديلة محدودة القدرة وأعلى كلفة.

ولا تقتصر التداعيات على دول الخليج يتابع عكوش، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي عبر ارتفاع أسعار النفط، واضطراب أسواق التكرير، وارتفاع أسعار المشتقات النفطية، وتراجع الطلب العالمي والنمو الاقتصادي، مع تعرض الاقتصادات الآسيوية لضغوط إضافية نتيجة اعتمادها الكبير على واردات الطاقة الخليجية. ويشير عكوش إلى أن المخزونات النفطية العالمية قد توفر هامشاً زمنياً للتعامل مع توقف الملاحة، فإن المشكلة لا تقتصر على توافر الخام، بل تشمل أيضاً نقص قدرات التكرير وعدم توافق أنواع الخام مع المصافي، ما يجعل اضطراب المشتقات النفطية أحد أخطر آثار إغلاق المضيق.

وقد أدّى الإغلاق المفاجئ لمضيق هرمز، بعد العدوان الأميركي-الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى إعادة تشكيل خريطة المخاطر في الاقتصاد العالمي خلال ساعات قليلة. فهذا الممر البحري، الذي تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز، تحوّل إلى عنصر حاسم في تحديد اتجاهات أسواق الطاقة والمال.

وتُظهر ورقة عمل بعنوان”هُرمز – كيف تُطبق إيران جغرافياً على المضيق”، صادرة عن مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير (UFEED)، أن مضيق هرمز يمثل نموذجاً واضحاً لتحوّل الجغرافيا البحرية إلى أداة في الصراع على الطاقة. فالصراع على الطاقة في الشرق الأوسط لم يعد يقتصر على السيطرة على حقول النفط والغاز، بل أصبح يمتد إلى السيطرة على الممرات التي تنقل هذه الموارد إلى الأسواق العالمية. فالمضيق، الذي تمر عبره كميات ضخمة من النفط والسوائل النفطية، إضافة إلى حصة مهمة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، يمثل إحدى أهم نقاط الاختناق في منظومة الطاقة العالمية.

وتشير ورقة مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير (UFEED) إلى أن إيران تستفيد من موقعها الجغرافي وشبكة جزرها المنتشرة حول المضيق، إلى جانب ميناء بندر عباس، لبناء منظومة متدرجة للمراقبة والإسناد والردع، بما يمنحها القدرة على التأثير في حركة الملاحة ورفع كلفة العبور، حتى من دون اللجوء بالضرورة إلى إغلاق المضيق بصورة كاملة.

وتكشف هذه الحالة عن تحول جوهري في جغرافيا الطاقة؛ فالممر البحري نفسه أصبح جزءاً من الصراع على النفط والغاز، وأصبح أمن الطاقة مرتبطاً ليس فقط بمصدر الإنتاج، وإنما أيضاً بأمن الطريق الذي يسلكه المورد وصولاً إلى المستهلك. ومن هنا تبرز محاولات القوى الإقليمية والدولية إعادة توزيع طرق الطاقة وإنشاء مسارات بديلة تتجاوز نقاط الاختناق، لأن السيطرة على الطريق يمكن أن تمنح نفوذاً سياسياً واقتصادياً لا يقل أهمية عن السيطرة على الحقول نفسها.

وتبرز الحالة الإيرانية تحديداً كيف يمكن للجغرافيا وشبكة الجزر والمواقع الساحلية أن تتحول إلى أدوات للضغط على حركة الملاحة ورفع كلفة استخدام الممر، بما يجعل أمن طرق الطاقة جزءاً أساسياً من معادلات الصراع الجيوسياسي في الشرق الأوسط.

البحر الأحمر وقناة السويس في معادلة الطاقة العالمية

يكتسب البحر الأحمر أهمية استراتيجية باعتباره أحد الممرات الرئيسية لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، فيما يمثل باب المندب بوابته الجنوبية وقناة السويس بوابته الشمالية. ويجعل هذا الترابط من أي اضطراب في الملاحة داخل البحر الأحمر تأثيرًا يتجاوز المنطقة، ليطال تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. وتظهر هذه الأهمية بوضوح في حجم تدفقات الطاقة؛ إذ بلغ متوسط النفط الخام والمنتجات النفطية العابرة لباب المندب نحو 4.2 ملايين برميل يوميًا خلال النصف الأول من 2025، مقابل نحو 4.9 ملايين برميل يوميًا عبر قناة السويس وخط سوميد خلال الفترة نفسها.

أما قناة السويس، فتكتسب أهميتها من كونها الحلقة التي تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، وتوفر أقصر طريق بحري بين آسيا وأوروبا. وقد أظهر اضطراب الملاحة في البحر الأحمر مدى حساسية القناة للأزمات الأمنية؛ إذ تراجعت إيراداتها من 10.25 مليارات دولار عام 2023 إلى 3.991 مليارات دولار عام 2024، كما انخفض عدد السفن العابرة من أكثر من 26 ألف سفينة إلى نحو 13 ألفًا خلال الفترة نفسها.

ويكشف ذلك أن أمن باب المندب والبحر الأحمر يرتبط مباشرة بأمن قناة السويس، وأن تعطيل أحد هذه الحلقات يمكن أن يدفع السفن إلى مسارات أطول حول رأس الرجاء الصالح، ويرفع كلفة التجارة والطاقة عالميًا.

في هذا الإطار يوضح الدكتور عكوش، إلى أن قناة السويس وخط أنابيب «سوميد» يشكلان ممراً أساسياً لنقل النفط والغاز بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، فضلاً عن الأهمية التجارية لباب المندب الذي يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية وشحنات الحاويات. وقد ازدادت أهمية هذا المسار مع إعادة توجيه جزء من صادرات الطاقة السعودية نحو البحر الأحمر، إذ ارتفعت حمولات خط سوميد من 19.52 مليون برميل في نيسان إلى 28.79 مليون برميل في تموز. إلا أن الاضطرابات الأمنية انعكست على كلفة النقل والتأمين، وأدت إلى إعادة توجيه بعض الناقلات نحو طرق أطول حول أفريقيا، فيما تفرض القيود الملاحية على قناة السويس تحديات إضافية أمام الناقلات العملاقة، ما يجعل أمن البحر الأحمر وقناة السويس عاملاً مؤثراً مباشرة في كلفة الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

اليمن وباب المندب… نقطة الاختناق

تبرز الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب من كونه إحدى نقاط الاختناق البحرية المؤثرة في حركة التجارة العالمية، إذ إن أي اضطراب في الملاحة عبره يمكن أن يؤدي إلى تأخير وصول الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والأسعار، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تعتمد بدرجة كبيرة على هذه الممرات. وتشير دراسة روب بيلي ولورا ويلسلي، نقاط الاختناق ومواطن الضعف في تجارة الغذاء العالمية، الصادرة عن المعهد الملكي للشؤون الدولية (Chatham House) عام 2017، إلى أن باب المندب، إلى جانب مضيق هرمز وقناة السويس، يمثل نقطة حساسة في شبكة التجارة العالمية، الأمر الذي يجعل أمنه واستمرار حركة الملاحة فيه عاملًا مهمًا في استقرار تدفقات السلع والأسواق الدولية ارتباط البحر الأحمر بقناة السويس والأسواق الأوروبية.

أثّر العدوان السعودي على اليمن بصورة مباشرة في أمن مضيق باب المندب، إذ حوّل العدوان السعودي على اليمن المضيق من ممر تجاري حيوي إلى ساحة للتنافس والضغط الإقليمي والدولي. ومع سيطرة أنصار الله على مناطق واسعة من الساحل الغربي، ولا سيما ميناء الحديدة، امتلكوا موقعًا جغرافيًا قريبًا من أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ما أتاح لهم تطوير قدرات عسكرية مكّنتهم لاحقًا من تهديد السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر.

وقد كشفت هجمات أنصار الله على الملاحة منذ عام 2023 بسبب العدوان الإسرائيلي على غزة أن الحرب اليمنية لم تعد محصورة داخل الحدود اليمنية، بل امتدت تداعياتها إلى حركة التجارة الدولية وأمن الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر. كما دفعت هذه الهجمات الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تعزيز وجودهما العسكري في المنطقة وتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة، الأمر الذي أعاد باب المندب إلى قلب التنافس الجيوسياسي بين القوى الإقليمية والدولية.

ويكشف العدوان السعودي الأخير على اليمن أن تداعيات الحرب في اليمن لا تزال تمتد إلى أمن الملاحة في البحر الأحمر وممراته الاستراتيجية. فقد أعلن المتحدث العسكري، يحيى سريع، فرض «حظر للملاحة البحرية» على السعودية، في إطار ما وصفه بمعادلة «الحصار بالحصار»، مهددًا بالتصعيد في مواجهة أي عدوان سعودي. ويعني هذا التهديد توسيع نطاق المواجهة وصد العدوان من البر اليمني إلى المجال البحري، بما يرفع مستوى المخاطر على حركة السفن والموانئ وخطوط إمداد الطاقة في البحر الأحمر، ويجعل باب المندب أكثر عرضة للتحول إلى ساحة ضغط جيوسياسي في الصراع الإقليمي.

وفي هذا السياق، يوضح الدكتور عماد عكوش، أن مضيق باب المندب تحول، مع إغلاق مضيق هرمز، من مسار بديل محتمل إلى نقطة تهديد جديدة؛ إذ أعادت السعودية توجيه جزء من صادراتها إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وبلغت الصادرات من الساحل الغربي نحو 5 ملايين برميل يومياً، أي أكثر من ضعف مستويات ما قبل الحرب، وكان نحو 80% من هذه الشحنات يعبر باب المندب. إلا أن إعلان أنصار الله حصاراً بحرياً على السفن المتجهة من وإلى الموانئ السعودية، وما رافقه من هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ على ناقلات النفط في البحر الأحمر، أدى إلى تراجع تدفقات النفط جنوباً عبر باب المندب إلى نحو نصف مستوياتها المسجلة في بداية الشهر، فيما اضطرت ناقلات أخرى إلى تجنب المضيق، ما أضاف نحو أربعة أسابيع إلى الرحلة النموذجية للناقلة، أي أكثر من ضعف مدة الملاحة المعتادة.

يتبع …

المصدر: موقع المنار