الخميس   
   27 08 2026   
   14 ربيع الأول 1448   
   بيروت 17:23

الاستيطان يتسلل إلى مناطق “أ” و”ب”.. بؤر جديدة بدعم حكومي إسرائيلي وحماية جيش الاحتلال

تكشف معطيات أوردتها صحيفة «هآرتس» عن تحول لافت في سياسة الاستيطان بالضفة الغربية، مع توسع المستوطنين في إقامة بؤر جديدة داخل مناطق «أ» و«ب» الخاضعة للسلطة الفلسطينية، في ظاهرة تقول الصحيفة إنها تتجاوز الرواية الإسرائيلية الرسمية التي تصف ما يجري بأنه أعمال منفردة ينفذها «عدد من المستوطنين المتطرفين».

وبحسب التقرير، أُقيمت خلال العامين ونصف العام الماضيين ما لا يقل عن 30 بؤرة استيطانية داخل مناطق تخضع للسلطة الفلسطينية، معظمها في المنطقة «ب»، إضافة إلى بؤرة واحدة على الأقل أقيمت داخل المنطقة «أ»، التي تقع فيها الصلاحيات الأمنية والمدنية، وفق ترتيبات أوسلو، بيد السلطة الفلسطينية.

وتشير «هآرتس» إلى أن هذه البؤر أُقيمت في مواقع ذات أهمية استراتيجية، بينها قمم جبال ومناطق قريبة من الطرق والتجمعات الفلسطينية ومواقع تشهد توسعًا عمرانيًا فلسطينيًا، بما يتيح للمستوطنين مراقبة حركة الفلسطينيين وعرقلة توسعهم العمراني والجغرافي.

تغيير في سياسة التعامل مع البؤر

وتشكل المنطقتان «أ» و«ب» نحو 40% من مساحة الضفة الغربية، وكانت الصلاحيات المدنية فيهما، منذ اتفاقيات أوسلو، بيد السلطة الفلسطينية.

ووفق الصحيفة، لم تكن إسرائيل قد أقامت بؤرًا استيطانية في هاتين المنطقتين حتى عام 2024، كما كانت الإدارة المدنية الإسرائيلية تعمل على إزالة محاولات المستوطنين التوسع من المنطقة «ج» إلى داخل المنطقة «ب».

لكن هذا الواقع، بحسب التقرير، بدأ يتغير خلال فترة حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، إذ باتت البؤر الجديدة تُقام في مناطق كانت تعتبر سابقًا خارج نطاق النشاط الاستيطاني المباشر.

وفي قرية قصرة، جنوب نابلس، يقول سكان للصحيفة إن المستوطنين أقاموا بؤرة «تل تلبوت» على قمة جبل تقع على بعد نحو كيلومترين داخل المنطقة «ب».

ويشير أحد سكان القرية إلى أن المستوطنين ينفذون دوريات متكررة بالقرب من منازل الفلسطينيين، الأمر الذي أثار مخاوف الأهالي من تعرضهم للاعتداء، خصوصًا مع اقتراب المستوطنين من داخل القرية.

الجيش يقر بالمخالفة.. لكن البؤر مستمرة

ورغم استمرار هذه البؤر، نقلت «هآرتس» عن قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، آفي بلوت، قوله خلال مؤتمر أخير إن إقامة البؤر في المنطقتين «أ» و«ب» مخالفة للقانون ولتوجيهات الحكومة، مؤكدًا أنه «لا توجد حاليًا نقاط استيطانية في مناطق أ وب».

إلا أن الصحيفة تشير إلى تناقض بين هذه التصريحات وبين الدعم العلني الذي يقدمه وزراء وأعضاء في الكنيست لنشاط المستوطنين داخل هذه المناطق.

وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن في كانون الثاني/يناير أن 42 بؤرة استيطانية أُقيمت من دون موافقة المستوى السياسي، وأن هذه البؤر مسؤولة عن نحو 90% من اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية.

كما أظهر تقرير لمنظمة «يش دين» أن نسبة كبيرة من هذه الاعتداءات وقعت في المنطقتين «أ» و«ب»، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن مدى جدية الإجراءات الإسرائيلية المعلنة لتطبيق القانون على المستوطنين.

بؤرة داخل المنطقة «أ»

ولا يقتصر التوسع على المنطقة «ب»، إذ أقيمت العام الماضي بؤرة «هاركيز» جنوب سنجل، وهي، وفق المعطيات التي أوردتها «هآرتس»، البؤرة الوحيدة المعروفة حتى الآن داخل المنطقة «أ».

وتكتسب هذه البؤرة أهمية خاصة لكونها تقع في منطقة تتمتع فيها السلطة الفلسطينية أيضًا بالصلاحيات الأمنية.

وبعد أسابيع من إقامة البؤرة، قُتل سيف الله موسلت، وهو مواطن أميركي كان يزور عائلته في قرية قريبة، فيما تعرض صحفيون أجانب لاعتداء من مستوطنين أثناء زيارتهم للموقع في تموز/يوليو.

دعوات لإنشاء 100 بؤرة جديدة

ولا تتوقف المسألة عند النشاط الميداني للمستوطنين، إذ يكشف التقرير عن دعم سياسي من داخل الائتلاف الحكومي الإسرائيلي.

فخلال مؤتمر عقده منتدى «نعود إلى البيت» في الكنيست تحت عنوان «السيطرة على المناطق المفتوحة»، دعا المنظمون إلى إقامة 100 بؤرة استيطانية جديدة في المنطقتين «أ» و«ب»، بحضور عدد من أعضاء الكنيست.

وقال رئيس لجنة الأمن القومي في الكنيست، تسفي فوغل، إن السيطرة على المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية يجب أن تتم «بالأفعال» وليس من خلال التشريعات أو الخطابات، داعيًا أعضاء المنتدى إلى مواصلة تحركهم وعدم السماح للآخرين بوقفهم.

وبحسب التقرير، أسس المنتدى أبوان ثكليان، ويعلن أن خطته تقوم على السيطرة على الأراضي وإنشاء تواصل استيطاني متصل في الضفة الغربية.

ويقول المنتدى إن خطته عُرضت على وزراء في الحكومة وعلى مقربين من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتحظى بدعم كبير من وزير المالية بتسلئيل سموتريتش.

تمدد استيطاني يتجاوز «المنطقة ج»

وتظهر هذه المعطيات أن النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية لم يعد يقتصر على المنطقة «ج»، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة وتخضع لسيطرة إسرائيلية واسعة، بل بدأ يتجه بصورة متزايدة إلى مناطق تقع رسميًا ضمن نطاق سيطرة السلطة الفلسطينية.

ويبدو أن اختيار مواقع البؤر الجديدة لا يتم بصورة عشوائية، إذ تتركز في مواقع مرتفعة وقريبة من الطرق والتجمعات الفلسطينية، بما يمنح المستوطنين قدرة أكبر على فرض وقائع ميدانية جديدة والتحكم في حركة الفلسطينيين ومساحات توسعهم.

وبينما يؤكد الجيش الإسرائيلي أن إقامة البؤر داخل مناطق «أ» و«ب» مخالفة للقانون، فإن استمرارها، إلى جانب الدعم السياسي الذي تحظى به من وزراء وأعضاء في الكنيست، يعكس فجوة واضحة بين الموقف الرسمي المعلن والممارسة على الأرض.

وبذلك، تفتح البؤر الجديدة فصلًا إضافيًا في مسار التوسع الاستيطاني بالضفة الغربية، ليس فقط عبر مصادرة الأراضي، وإنما من خلال فرض وجود استيطاني داخل مناطق يفترض، وفق ترتيبات أوسلو، أن تكون خاضعة للسلطة الفلسطينية، بما يهدد بتغيير طبيعة السيطرة الجغرافية والديموغرافية في الضفة الغربية.

المصدر: المركز الفلسطيني للاعلام